دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

يستغلّ الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي بعض المناسبات، وحصول بعض الأحداث، فيتحدّث عن بعض الشّخصيّات، ويسجّل بعض مواقفها، وينوّه ببعض خصائصها، ويعدّد بعض صفاتها … يستغلّ كلّ ذلك ليفصح عن الواقع الذي تعيشه الأمّة، ويكشف عن الحالات التي تستحقّ المعالجة، ويشير إلى القضايا التي يجب التّصدّي لحلّها، وينبّه إلى المسائل التي يجب أن تولى الاهتمام. وبذلك فهو يتّخذ الشّعر وسيلة للإصلاح والتّوجيه والإرشاد والتّوعية. من هنا فإنّ الشّعر عنده رسالة يجب أن يسخّر لخدمة الأمّة والنّهوض بالمجتمع. وهو شأن زعماء الإصلاح وشعراء الحركة الإصلاحيّة في الجزائر. فالشّعر عندهم رسالة مقدّسة وأمانة يجب حملها والاضطلاع بها في سبيل النّهوض بالمجتمع. وكانوا ينظرون إلى الشّعر بأنّه وسيلة للإصلاح والإحياء والتّقويم والتّوجيه والتّعليم والتّهذيب والتّكوين … (1) وفي هذا يقول محمد الهادي السّنوسي الزّاهري (ت 1974م) عن الشّاعر الحقيقي: " إنّه ذلك الفذّ القادر الذي أوقف نفسه على بني جلدته أو بني الإنسان أجمعين … يجاهد بفكره في سبيلهم ليهدي الضّال، ويعلّم الجاهل، ويضرب لأبناء البشر المثل العالية في السّعادة وكمال الإنسان." (2) فالشّيخ عبد الرّحمن بكلّي لم يخرج عن هذا المفهوم، ولم يتخلّف عن هذه النّظرة في شعره.

فحين تفقد القرارة (بالجزائر) أسدها الشّيخ بكير العنق (3) وحين يأخذ الحين رجل ميزاب (4) يبكيه الشّاعر. يرثي فيه صفاته الحميدة، ينعى فيه وطنيّته ونضاله، ومقارعته الجمود والفساد والاستعمار، ويندب فيه ما كان يحمله في قلبه من حبّ للخير وغيرة على الوطن، ويتحسّر على ما كان يتحمّله من غصص وعذاب في طريق جهاده ضدّ كلّ أشكال الذّلّ والهوان، وكلّ أنواع الخنوع والخضوع … ويرثي فيه ما يحمله في جنبه من ألوان التّضحيّة والفداء في سبيل إصلاح المجتمع.

١٤٠ / ٤٠٤