دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٦

غيرهم، ولا أن يصمدوا أمام أيّة مقاومة أو هجوم، فولّدت لهم هذه المقدّمات نتائج خطيرة، وهي أنّ السّيطرة على المسلمين ممكنة، وقهرهم في المقدور.

يزداد حنق الكاتب على هؤلاء المتخاذلين، وعلى هؤلاء المقهورين، ويتعجّب منهم، كيف يعيشون في غفلة، ولا يعتبرون بالأحداث، ولا ينظرون إلى المستقبل بعين فاحصة؛ رغم ظهور علامات تنذر بهذا المصير المشؤوم، وهو ما حمل الأقوياء – أعداء الإسلام – على تقرير مصير المسلمين كما يريدون، وبكلّ بساطة وسهولة.

كم هي موحية ومعبّرة وساخرة عبارةُ (وقالوا)، إنّها تحمل دلالات نفسيّة عميقة، تترجم عن نفس الكاتب المصدورة، التي تتنزّى ألمًا على هوان نفوس المسلمين على الآخر.

يتعمّق شعور الكاتب بهذا الإحباط النّفسي، فيرسلها سخرية لاذعة حزينة، ويتكلّم بلسان الطّرف الثّاني، وهو يسقط مشاعره على ما توحي به الأحداث، وتنطق به الحوادث، وهي أنّ قيمة اليهود أثمن من مكانة العرب؛ لأنّ اليهود فيهم منفعة معجّلة، والمسلمين ليست فيهم حتّى مضرّة مؤجّلة.

لقد أضفت المقارنة السّاخرة بين اليهود والمسلمين على النّصّ جمالية رائعة ومتعة فنّية، كما كان لهذه الدّفقات الشّعوريّة، ولهذه الإحساسات النّفسيّة العميقة الخفيّة دورُها في إبراز التّهكّم في حلّة جميلة، جمالَ صدق مشاعر الكاتب، وفي صورة معبّرة مؤثّرة هادفة، هدفَ واقعيّة التّناول.

إلاّ أنّ الكاتب – مع كلّ ذلك – لم يرد أن يبقى مع هذا الشّجن وهذا الإحساس؛ بإظهار مهانة المسلمين وتخاذلهم، بما يعمل على الرّفع من قيمة اليهود، بل تصدّى لهؤلاء الأقوياء، يسفّه أحلامهم، وينتقد خطّتهم في قهر المسلمين، ويفنّد رأيهم ونظرتهم إلى العرب، ثمّ تعرّض لليهود يكشف عن حقيقتهم، ويذكر مخازيهم، بغير قليل من السّخرية والتّهكّم، اللّذين لا يعدوان أن يكونا تنفيسًا عن قلب مجروح، ونفس مكلومة، لا يؤثّران في المسخور منه كثيرًا: " كان حظّ

١٦ / ٤٠٤