دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٩الثّاني: التّهكّم بضعة نفوس اليهود ودناءتها، التي تلجأ إلى وسيلة رخيصة لحماية ذاتها، أسلوب شراء الضّمائر والذّمم، سبب ذلك هو ضعفها وعدم قدرتها على الدّفاع عن نفسها.
أخيرًا يرسلها الكاتب زفرة حارّة، وصيحة مدويّة، وآهات متحسّرة: " يا بخس فلسطين! .. أيبيعها من لا يملكها، ويشتريها من لا يستحقّها؟ يا هوان فلسطين! أيكون من ذوي الحقّ في بيعها تلك الدّولارات، التي لم تخلق خلقًا طبيعيًّا؟ وإنّما خلقتها المنافسات، والتي لم يبلغ الكثير جزءًا ممّا بلغته فلسطين من مجد في التّاريخ، وسابقة في الحضارة، ويدٍ في نفع البشرية، بل لم تبلغ مجتمعة ما بلغته فلسطين من احتضان النبوّات، واستنباط الشّرائع والعلوم والحكم."(1)
مع كلّ هذا الهوان الذي لحق بفلسطين، فالكاتب، ككلّ عربي يمتلك الإباء والشّمم والشّهامة، والاعتداد بالنّفس، لا يستنقص من نفسه، ولا من بني جلدته، ولا من وطنه العربي الكبير، فيتسلّى عن المهانة الرّاهنة بالماضي المجيد؛ عساه يبعث النّخوة في النّفوس، والحماسة في القلوب، ويرجع الثّقة في الشّباب؛ من أحل نهضة، ترجع الأرض المسلوبة، والكرامة المهدورة، هذا ما يوحي به فحوى النّصّ السّابق، الذي رفع فيه من مكانة فلسطين الجريحة، ووضعها في مكان لا تصل إليه هذه الدّول المتآمرة على فلسطين. بل هو في هذا السّباق يتبنّى أسلوب التّحقير والتّعيير لهذه الدّول، فيقول عن الإنكليز مثلا: " أيّها العرب، إنّ الإنكليز هم أوّل الشّرّ ووسطه وآخره، وإنّهم كالشّيطان منهم يبتدئ الشّرّ وإليهم ينتهي، وإنّهم ليزيدون على الشّيطان بأنّ همزاتهم صور مجسّمة، تؤلم وتؤذي وتقتل، وجنادل مسمومة، تهشّم وتحطّم وتخرّب. لا لمّة تلمُّ ثمّ تنجلي، وطائف يمسّ ثمّ يخنس، ووسوسة تلابس ثمّ تفارق" ولهذا فهم "يدفعون بما يدفع به العدوّ المواثب، بالثّبات المتين للصّدمة، والعزم المصمّم على القطيعة، وبت الحبال والإرادة المصرّة على المقاطعة في
(1) - عيون البصائر، ص: 495.