دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٠

الأعمال، والإجماع المعقود على كلمة واحدة، ككلمة الإيمان،: (إنّ الإنكليز لكم عدوّ فاتّخذوه عدوًّا)(1) يردّدها كلّ عربي بلسانه، ويجعلها عقيدة جنانه، وربيطة وجدانه، وخير ما يقدّمه من قربانه."(2)

إنّ هذا الأسلوب المعتمد على الشّماتة والتّحقير والتّعيير وإظهار الكبرياء والتّعالي على الغزاة والمحتلّين، وعدم الاعتراف ببأسهم، ما هو إلاّ أسلوب نفسي، ووسيلة مؤقّتة، يلجأ إليها الكاتب للتّخفيف عن آلامه النّفسيّة، والتّغلّب على شعوره بالإحباط النّفسي، وزرع الأمل في النّفوس المنقبضة، وتضميد الجراح النّازفة. هذه هي رسالة الأديب التي تقوم على التّنفيس عن النّفوس آلامها، وعلى زرع الأمل فيها لمقاومة أسباب اليأس والخوف والانهزام. ثمّ التّحلّي بخلّة الشّعور بعزّة النّفس والاعتداد، الذي يدفع إلى التّحرّك والعمل الدّؤوب المستمرّ …

هذا هو الأسلوب الذي اعتمده الكاتب لتحقيق الغايات التي أشرنا إليها، إلاّ أنّه يعود إلى التّحسّر والشّكوى ثانية، حين يحسّ بالحيف والتّعسّف والتّحيّز إلى جانب اليهود، على حساب المسلمين، إذ تقبل كلّ تصرّفات الفريق الأوّل، مهما تكن في الشّناعة والجرم، ويحاسب الفريق الثّاني على كلّ ما يصدر منه، ولو كان ذلك دفاعًا عن النّفس، وحقًّا مشروعًا. يسجّل الكاتب هذه الحقيقة فيقول: " يقيم اليهود معسكرات التّدريب، ويجهّزون سفن التّهريب، كلّ ذلك تحت سمع الاستعمار الفرنسي وبصره، فلا يجدون منه إلاّ الأمن والعافية، والأعين الغافية، ولو هبّ العرب بشيء من ذلك، أو بأقلّ القليل منه، لقامت قيامة الاستعمار الفرنسي، واستخرج لكلّ حركة اسمًا، ممّا اشتمل

(1) - استوحى الكاتب فوله تعالى: (:إنّ الشّيطان لكمْ عدوّ فاتّخذوه عدوًّا إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحابِ السّعير) (سورة فاطر/ 6) فليتأمّل هذا الاستيحاء.

(2) - عيون البصائر، ص: 501. المقال نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 24 (23/ 02/1948). وهو تحت عنوان: " الإنكليز حلقة الشّرّ المفرغة ". وكلّه قدح في الإنكليز وتعريض بهم وكشف لحقيقتهم ولمؤامراتهم في فلسطين، وتحذير للمسلمين من الاغترار والانخداع بما يقولون ويروّجون …

٢٠ / ٤٠٤