دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢١

عليه قاموس المحرّمات، وربط بكلّ اسم منها عقوبة، تنصّ عليها القوانين المدّخرة لوقت الحاجة. "(1)

كوّن الكاتب هذه الصّورة الرّائعة عن تصرّفات المحتلّ الغاصب من تجسيده الجيّد لتذمّره وقلقه النّفسي ممّا يشاهده من المفارقات والتّناقضات في الحياة؛ لعيون تكون غافية وغاضّة عن جرائم اليهود، بينما تكون متيقّظة ومتربّصة بكلّ ما يفكّر المسلمون في القيام به من أعمال، ولو كانت مشروعة عقلا وشرعًا وقانونًا. وبيّن في ظلم الغاصب المعتدي أنّ للاستعمار قاموسًا خاصًّا، يشتمل على مجموعة من المحرّمات على المسلمين، يكون مرجعًا لاستخراج عقوبة لكلّ ما يقوم به المسلمون من أعمال، وما يبدونه من حركات، وبذلك يسهل عليه وضع اسم لكلّ حركة وربطها بقانون مهيّأ لوقت الحاجة.

يستمرّ الكاتب في سرد الفوارق في معاملة الفريقين: التّحيّز إلى جانب اليهود المعتدين، والتّعصّب ضدّ المسلمين المنتصرين والمنتصفين لأنفسهم؛ لاسترجاع حقوقهم المسلوبة، ثمّ يرسلها زفرة حارّة وآهات عالية، ملفوفة في ثوب من التّعيير والثّلب والقدح والشّماتة، كما تعوّد على ذلك في كلّ مرّة، يشتدّ فيها حنقه على اليهود، ويتضاعف كرهه لهم، بسبب استفزازاتهم وتحرّشاتهم … : " آمنّا الآن – على بداوتنا – بأنّ العالم المتحضّر قد تهوّد، وآمنّا بأنّ السّحر الذي أبطله موسى قد أحياه أشياعه، ولكن بغير أدواته، أبطله بعصا الخشب، وأحيوه بحبال الذّهب، وآمنّا بسفسفة القضايا العقليّة، التي تحيل اجتماع الضّدّين، حين رأينا التّضاد يجمع طرفيه في دائرة مغنطيسية، فإذا هو ممكن، وإذا عقيدتا الصّلب لعيسى والتّأليه له تجتمعان في هالة من البريق المعشّي للأبصار والبصائر، فكأنّه لا تأليه ولا صلب، كلّ ذلك لأنّه لا ضمير ولا قلب."(2)

(1) - عيون البصائر، ص 511.

(2) - المصدر السّابق، ص: 512.

٢١ / ٤٠٤