دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٢٢يظلّ الكاتب يحمل الفكرة نفسها، وهي أنّ اليهود مفتونون بالحياة المادية، ويظلّ يعيّرهم بها في تخريبهم الجانب الرّوحي في أنفسهم، وفي إمعانهم في استعباد النّاس بهذه المادة (الذّهب)، ودوسهم بها المبادئ والقيم.
السّخرية من كلّ ذلك تبدو في هذه الجمل التي تحمل ألمًا مبرّحًا وشماتة بالأعداء: (آمنّا الآن – على بداوتنا – بأنّ العالم المتحضّر قد تهوّد). " آمنّا " جملة كثّف الكاتب فيها أحاسيسه ومشاعره، و" على بداوتنا، العالم المتحضّر " جملتان عرّض بهما بهؤلاء المتقدّمين الذين أرضخهم اليهود لإرادتهم، فأصبحوا ينفّذون أوامرهم وخططهم، فنحن على بساطتنا وتخلّفنا في نظركم أيّها المتحضّرون – عرفنا الآن وفهمنا أنّ تحضّركم وتمدّنكم ليس لهما معنى ولا قيمة عندنا، ما داما لم ينفعاكم في التّخلّص من سيطرة اليهود. ففي العبارتين دلالة نفسيّة عميقة في الشّماتة بهؤلاء الأعداء الذين يدّعون التّحضّر والتّمدّن.
ويظهر تهكّمه باليهود شديدًا وتعريضه بهم ماكرًا؛ وذلك حين يقابل بين إبطال موسى السّحر في القديم، وإحيائهم له في الحاضر، هو أبطله بالعصا، وهم أحيوه بافتتان النّاس بالمال والذّهب. ويكون في اجتماع الضّدّين: الصّلب لعيسى والتّأليه له مجال كبير للتّعريض. يستغرب الكاتب كيف يمكن أن يجتمع هذان الضّدان في معتقد واحد، إلاّ أن تكون الأحكام العقليّة كلّها سفسطة؛ بوصف الإنسان مقياس كلّ شيءٍ كما يقول السّفسطائيّون، فيكون كلّ شيءٍ ممكنًا، أو أن يكون ذلك السّلوك هو نتيجة من نتائج بريق الذّهب المعشّي للأبصار، والمعمِي للبصائر.
مع كلّ ذلك فإن الكاتب يحمّل المسؤولية – في الدّرجة الأولى – المسلمين، الذين أضاعوا فلسطين؛ بتخاذلهم واختلافاتهم، وبخيانتهم أحيانًا أخرى. لهذا فهو يعرّض بهم وبهزائمهم: " إنّنا معشر العرب بمواقفنا في قضيّة فلسطين وسكوتنا على حكوماتنا المتخاذلة في قضيّتنا، وممالأة بعضنا لليهود إلى الآن بالتّهريب والتّجسّس.