دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٢٥

لقد كان لمجلّة الشّباب في نفوسنا الأثر الحميد، لولاها لبقيت العجمة تلجم أقلامنا واللّكنة والقصور يقتلان عقولنا، إنّ أيّامها وأيّام الجمعيّة هي أسعد أيّام حياتنا، جزى الله خيرا من أنشأهما، وبارك الله فيهما للمعهد والجزائر والعربيّة والدّين"(1).

ليس معنى هذا أنّ الجريدة كانت جيّدة وقويّة منذ تأسيسها، بل بدأت محتشمة في أسلوبها الذي كان يغلب عليه الضّعف في التّعبير، وفي تطبيق قواعد اللّغة العربيّة، وفي بساطة التّفكير وفي نوع الموضوعات التي كانت تتناولها وتناقشها. وأخذت في التّطوّر بمرور الزّمن. فقد نشرت إدارة الجريدة الإعلان الآتي: " هذا وقد برزت الجريدة، وأرجوكم أن تغضّوا البصر عن الألحان والأخطاء لأنّ قصدنا منها تعليم الإنشاء والكتابة فقط"(2). هذا الإعلان يبيّن لنا كيف كانت انطلاقة الجريدة متواضعة في مضمونها وشكلها، إلاّ أنّها كانت قويّة بجدّيتها وإخلاصها في التّكوين ومعالجة الأوضاع.

في ختام هذا العرض نسجّل الملاحظات الآتية:

1 - الجريدة كانت متأثّرة تأثّرا كبيرا بمجلّة الرّسالة. يبدو ذلك في محاكاة كتّابِها لأساليب كتّاب "مجلّة الرّسالة"(3)، بل كانت تقلّدها أحيانا في بعض أركانها، كالاحتفال بالهجرة النّبويّة؛ بتخصيص عدد ممتاز كلّ سنة كما أشرنا آنفا، وكاستعارة ركن " نُقَل الأديب "، الذي كان في مجلّة الرّسالة، وكانتهاج أسلوب المعارك الأدبيّة، الذي كان كثيرا ما يظهر على صفحات الرّسالة. بل إنّ أهمّ تلك المعارك الأدبيّة التي نَشَبَتْ على صفحات جريدة الشّباب، كانت بين العقّاديّين والرّافعيّين. والعقّاد والرّافعي من الكتّاب الدّائمين في مجلّة الرّسالة، وقد وقعت بينهما معارك أدبيّة.

مِمّا يؤكد هذا التّأثّر هذه الفقرة من مقالة لأحد كتّاب جريدة الشّباب، يصف فيها مجلّة الرّسالة. يقول من أمضى باسم " متأدّب": " إنّها مجلّة تبحث في الأدب في الغالب، وأكثر مقالاتها إمّا في موضوع الأدب، وإمّا في مواضيع أخرى، ولكنّها مكتوبة بأسلوب أدبي، كمقالات الزّيّات والرّافعي وأحمد أمين والبشرى وأديب عباس وغيرهم. والرّسالة - حقيقة – تُحيِي في النّشء أساليب البلاغة العربيّة كما قالوا فيها، وأفضل من ذلك الاعتناء بالكتب الأدبيّة القديمة، فهي المنبع الصّافي الذي لا يشوبه كدر، فمن أراد النّبوغ في الأدب فليعكف عليها وليلازمهما "(4)،

كما نرجّح تأثّر جريدة الشّباب - أيضا - بمجلّة النّديم التّونسيّة(5)، فقد احتوت جريدة الشّباب على بعض أركان موجودة أصلا في جريدة النّديم ككلمات شائكة، في المقصّ، مذياع الغرائب.

نقدّم مثالاً لهذا التّأثّر والتّعلّق بمجلّة " الرّسالة " من مقال كتبه " قاسم بن الحاج سعيد بسيس"، سجّل فيه تأثّره بوفاة الأديب مصطفى صادق الرّافعي. والفراغ الذي تركه في السّاحة الإسلاميّة والأدبيّة، وهو الذي كان يرفد طلبة معهد الشّباب بأدبه، وكانوا يقرؤون ويتعلّمون منه، بِما كان ينشره على صفحات مجلّة الرّسالة المفضّلة لديهم. كتب قاسم بسيس تحت عنوان: " من لنا بعد الرّافعي"(6) مِمّا جاء في المقال: " أحقًّا إنّ صحيفة مصطفى صادق الرّافعي طويت وختمت، وصارت في حيّز التّاريخ، بعدما كانت في متناول الأيدي ومرأى الأبصار؟ … لقد اختار الرّافعي أسلوبه

(1) - المصدر السّابق، ص: 138، 139.

(2) - " القرارية "، س:1، ع:1، (ب. ت).

(3) - ينظر نهضة الجزائر الحديثة، ج3، ص 138 - 139.

(4) - جريدة الشّباب ع: 220، يوم 29/ 08/1935.

(5) - هي صحيفة فكاهيّة أخلاقيّة انتقاديّة، مؤسّسها حسين الجزيري ابتداء من 12/ 02/1921.

(6) - نشر المقال في عدد: 26، الصّادر يوم الخميس: 23 من رجب 1356هـ / 30 من سبتمبر 1937م.

٢١٣ / ٤٠٤