دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٦

بيومكم فهم له شاكرون. أين كنتم يوم أعطوا العهود لليهود؟ أم أين كنتم يوم آمنوا بإسحاق وكفروا بيهود؟ كل ذلك وقع وأنتم رقود. أمعنوا في الاستعداد، وأمعنتم في الرّقاد، اعتمدوا على العلم و (الرّيال)، واعتمدتم على الجهل والخيال، جاؤوكم بصفّ واحد كملموسة الصّخر، وجئتموهم بصفوف متخاذلة، جاؤوكم على قلب رجل واحد، وجئتموهم بقلوب متنافرة، قادهم إلى الظّفر قائد واحد ورأي جميع، وقادكم إلى العار قوّاد متشاكسون ورأي شتيت، ما أضاع السّيادة إلاّ توزيع القيادة، اجتمعوا وافترقتم، فسلموا واحترقتم."(1)

اعتمد الكاتب في سخريته من العرب والمسلمين على التّعريض والمقارنة بين ماضي العرب في فلسطين وحاضرهم في التّعامل مع القضيّة الفلسطينيّة، وفي ذلك عتاب ولوم على التّخاذل، كما عمد إلى المقابلة بين جدّية الغرب واليهود في الاستيلاء، واكتساب مزيد من القوّة، وبين هزل العرب المتخاذلين والمتقاعسين، واكتساب مزيد من أسباب الهوان والضّعف …

كما لجأ الكاتب إلى التّكرار وأسلوب التّبكيت، عن طريق الأسئلة المحرجة المحزنة، والتّلوين الصّوتي. وقد اختار من أساليب سجع الكهّان الإغرابَ واللّجوءَ إلى القسم والسّجع ولزوم ما يلزم والرّمز .. رغم التّكلّف الذي يبدو في هذا الأسلوب، وعجزه عن تمكين الكاتب من بلوغ هدفه في تحريك النّفوس وهزّها؛ لتقوم بواجبها نحو القضيّة الفلسطينيّة، وبقيّة القضايا العربيّة والإسلاميّة، رغم كلّ ذلك فإنّه يبقى له دور في التّعبير والإفصاح عن الحسرة الكبيرة، التي ملأت قلبه الكاتب؛ بسبب التّقاعس عن أداء الواجب، وبسبب الرّضى بالهوان والذّلّ.

إذن إنّ اختيار الكاتب هذا الأسلوب في معالجة القضيّة يرجع إلى عامل نفسي. كأنّي به لمّا أحسّ بأنّ المخاطبين والمعنيّين بهذا الكلام لم يستجيبوا للنّداءات المتكرّرة، والاستغاثات المتعاقبة، ولم يأبهوا بالتّحذيرات المتتالية … لمّا وقف على ذلك لجأ إلى هذا

(1) عيون البصائر، ص: 601، 602.-

٢٦ / ٤٠٤