دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٧

الأسلوب، وإلى طريقة الكاهن في المخاطبة، خاصّة وأنّ الكاهن – كما كان سائدًا في الجاهليّة – لا تعصى أوامره، ولا تردّ أحكامه ولا تنقض، بل هو قادر – حسب اعتقاد الجاهليّين- على التّنبّؤ ومعرفة الغيب، من ذلك الإعذار بحدوث كوارث وأحداث …(1) فيكون في استعمال الكاتب أسلوب سجع الكهّان تصويرًا للألم النّفسي؛ بسبب خذلان أبناء الإسلام قضيّتَهم، وتعبيرًا عن الغضب العارم على التّقاعس عن أداء الواجب، وإفصاحًا عن الحسرة البالغة من الرّضى بالذّلّ والهوان.

الخاتمة

هكذا شغلت قضيّة فلسطين فكر الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي كثيرًا، وأنبتت في قلبه جرحًا لم يندمل؛ لذا عني بها، فعالجها معالجة معمّقة مفصّلة، تتّبع أطوارها، وسجّل تطوّراتها، بجزئياتها ودقائقها، واستعمل في هذا أساليب متنوّعة، من المحاججة والاستعطاف، والتّعريض واللّوم، والسّخرية التي كانت هادئة أحيانًا، وحادّة عنيفة أحيانًا أخرى. وهو القائل: " وجاءت نكبة فلسطين فكانت في قلبي جرحًا على جرح، وكانت الطّامّة والصّاخّة معًا، وكانت مشغلة لفكري بأسبابها ومآسيها وعواقبها القريبة والبعيدة، فلا تصوّر لي الخواطر إلاّ أشنعَ ما في تلك العواقب … رحت إلى العيد الذي هو مثار أشجاني، فجرّدت منه شخصًا أخاطبه وأناجيه، وأشكوه وأشكو إليه، وأسأله وأجيبه، وأبثّه الشّكاية من قومي غيظًا على القادرين، وتأنيبًا للغادرين، حتّى اجتمعت لي من ذلك صحائف، نشرت القليل منها على النّاس، وطويت الكثير إلى حين … "(2)

(1) ينظر الفن ومذاهبه في النّثر العربي، ص: 41. -

(2) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1985م، ص: 162، 163. النّصّ من مقال تحت عنوان: " هل لمن أضاع فلسطين عيد؟ ".

٢٧ / ٤٠٤