دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٩٢

إنّ الشّعر - في حقيقته - إفصاح عن المشاعر، وتصوير للآمال والآلام، وإبراز للاهتمامات والانشغالات، وكشف عن الهموم والأحزان … به تقدّم المطالب، وتسجّل المكاسب، وتواسى القلوب المكلومة، وينفّس عن النّفوس الكئيبة. كما أنّه وسيلة للتّوعية والإصلاح والنّهوض والتّقدّم، والتّنمية بكلّ أبعادها وجوانبها.

هذه المعاني هي ما يحتويها مدلول الشّعر عند مفدي زكريّاء. نحن لا نعثر على تعريف محدِّد لماهية الشّعر عنده، في كلّ ما عبّر به عن حقيقة الشّعر، الذي انطلق فيه مباشرة إلى بيان وظيفته العمليّة، مبعدًا كلّ ما لا يخدم ما أشرنا إليه سابقًا. يقول مثلاً:

هو الشّعر آيات النبّوغ، تفجّرت … بكاساته البيضا، فناولها الخلقا

هو الشّعر أنّات القلوب، تردّدت … بِمزهره الصّدّاح، تخترق الأفقا

هو الشّعر للإحساس أهدى من القطا … وأبصر في بحر العواصف من زرقا(1)

هذه التّقريرات، التي ركّزت على الوظيفة في تحديد حقيقة الشّعر، بعيدًا عن التّنظير السّابح في الخيال والافتراض، هي نابعة من التّجربة التي عاشها الشّاعر مع واقع المجتمع الذي يتحرّك فيه، وصادرة من المعاناة الوجدانية التي مرّ بها، ومنبعثة من المعايشة الواقعية لما يحدث أمامه.

(1) - محمد الهادي السّنوسي الزّاهري، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، المطبعة التّونسيّة،

تونس، 1926م، ص: 157.

٢٧٨ / ٤٠٤