دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٣١

إنّ السّاخر ينوّع في أساليب التّعبير، حسب الظّروف التي توجّه كتابته، والبيئة التي يوجد فيها، والدّوافع التي تدفع به إلى تناول الموضوع عن طريق السّخرية والتّهكّم والتّفكّه، ووَفق الأهداف التي يسطّرها من توخّيه هذا الخطّ في التّعبير. لِهذا لا يمكن حصر أساليب التّعبير السّاخرة؛ " لأنّها من ابتكار العقل، ونتاج المشاعر المتدفّقة، التي لا تعرف التّوقّف، وكلّها تبحث لها عن أيّة وسيلة للوصول إلى وعي المتلقّي المخاطب "(1).

تصل إلي المتلقّي بعد أن يطبعها الفنّان السّاخر بروحه، ويصبغها بنوعية انفعالاته، فتغدو جديدة جديرة بالاهتمام؛ إذ تلفت نظر المتلقّي، بعد أن لم تكن ذات قيمة، قبل تدخّل خيال الفنّان في صياغتها. هذا ما يجعل أساليب السّخرية غير قابلة للعدّ والحصر. يقول الدّكتور نعمان محمد أمين طه عن الفنّان السّاخر: "يستخدم وسائل وأساليب متعدّدة في سخره، تتداخل كلّ منها؛ بحيث لا يمكن إحصاؤها أو عدّها، وهي معرّضة دائمًا لابتكار العقول المبتكرة، بحيث لا يمكن للبلاغي حصرها في اصطلاحات ضيّقة، فمثلها كحروف الهجاء في أيّة لغة من اللّغات، يمكن للإنسان اشتقاق آلاف الألفاظ منها، والتّعبير بها عن آلاف الأحاسيس، فتكون طيّعة في يده، يستخدمها كيف يشاء."(2)

إذن ليس هناك ضوابط تضبط أنواع الأساليب السّاخرة ولا أشكالها. كما أنّه ليس لها مذهب معيّن تصدر عنه، وليس لها انفعال محدّد تنطلق منه. هي لا تخضع ولا تصدر إلاّ من الحريّة التي يمكننا بها: " أن نتناول من أمور الحياة الخاصّة والعامّة ما نشاء، بالأسلوب الذي نختاره. "(3)

بِهذه الشّروط والمقاييس، وبِهذه المعطيات جاءت الأساليب التي كتب بها الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي ما كتبه بواسطة السّخرية، وقد تنوّعت وتعدّدت؛ بما لا يمكن حصرها. نحاول سرد بعضها، والتّمثيل لها بما يسمح به نطاق البحث. حسبنا تقديم صورة عن إسهام الكاتب بالسّخرية في التّعبير عن اهتماماته ومعالجاته القضايا والأفكار التي كانت تعجّ في المجتمع الجزائري، وبخاصة في الحقبة الاستعماريّة.

- أساليب بلاغيّة

من بين أساليب المعاني التي كتب بها الإبراهيمي أسلوبُ الاستفهام، الذي اعتمده للسّخرية من بعض الشّاذين والمنحرفين عن سواء الفطرة البشرية. لمّا سمع بعقد رحال الزّوايا مؤتمرات لضرب الحركة الإصلاحيّة، ومناهضة من يتحرّك لينهض بالأمّة، ويعمل على إخراجها من دوائر التّخلّف والتّردّي … تساءَل تساؤل متهكّم ساخر موتور، ساخط على هذه الأعمال الشّائنة، التي تصبّ في صالح المستعمر، الذي يريد للجزائر أن تبقى في براثن الجهل والأميّة والتّخلّف … تساءل عن هوية هؤلاء المؤتمرين المتآمرين، ما علاقتهم بالأمّة الإسلاميّة، التي ينتحلون اسمها، وهم لا يتورّعون في الإضرار بها: " أَليسَ هؤلاء المؤتمرون من الأمّة؟ أَليسُوا أئمّة الأمّة؟ وهذه المجلّة(4)، التي قرّروا إصدارها – وما نراها تكون إلاّ لسان

(1) - المرجع السّابق، ص: 272، 273.

(2) - الدّكتور نعمان محمد أمين طه، السّخرية في الأدب العربي، ط1، دار التّوفيقيّة للطّباعة بالأزهر، سنة 1399هـ/ 1979م، ص: 47.

(3) - الدّكتور حامد الهوّال، السّخرية في أدب المازني، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1982م، ص:292.

(4) - هي جريدة " صوت المسجد " (1948 – 1949)، أصدرتْها هيئة اتّحاد الأئمّة الجزائريّين (الرّسميّين)، وكان يرأس تحريرها محمد العاصمي، كان لها مع جريدة البصائر الثّانيّة مناوشات وصراع كبير، ينظر الدّكتور عبد المالك مرتاض، فنون النّثر الأدبي في الجزائر (1931 – 1954)، ديوان المطبوعات الجامعيّة، 1983م، ص: 533.

٣١ / ٤٠٤