دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٣٤

بالنّفي أو الإثبات قولُ الكاتب بعد ذلك: " وما نقلنا إلاّ القليل، وما لنا فيه إلاّ الرّواية العادلة: "(1)

يبقى أسلوب الاستفهام وسيلة ناجعة لتنفيس الكاتب عن الكمد الذي يملأ قلبه، ويكون مركبًا مهمًّا يركبه ليعبّر عن المكامن التي تسكن داخله. ممّا يراه تعسّفًا وظلمًا يرتكب في حقّ بعض النّاس، فلا يجد في التّعبير المباشر القدرة على تحقيق ذلك، بل يرى الجدوى في التّعبير غير المباشر بواسطة السّخرية.

الاستعمار الفرنسي يحارب المسلم الجزائري في كلّ شيء، وبخاصّة في مقوّمات شخصيّته، ويتصدّى لأوّل من يتصدّى، لِمعلّم الدّين واللّغة العربيّة. لا يرى الكاتب فيه سوى عدوّ بغيض، لا يحيد عن هذه الصّفة، مهما أظهر من سلوك، قد يبدو فيه الخروج عن هذه القاعدة.

في النّصّ الآتي يتساءل الكاتب عن سذاجة بعض النّاس وغفلتهم، اللّتين تمنعانهم من وعي هذه الحقيقة. ويرى في آخرين مكابرة في عدم الإقرار بهذه القاعدة. فيقول موبّخًا متعجّبًا متحسّرًا من هذه الأعمال الجائرة.: " وحسبُ الاستعمار (ديمقراطيّة) أن يحاكم معلّمي العربيّة والإسلام، ويسجنهم على التّعليم كما يحاكم المجرمين، ويسجنهم على الإجرام في محكمة واحدة، وسجن واحد وظرف واحد، وقد يكون يوم الجمعة في الغالب. أليس هذا احترامًا للإسلام؟ ومن مصلحته كما يقول العاصمي؟ أليست هذه هي الدّيمقراطيّة؟ فما لكم تكذّبون؟ "(2)

(1) - المصدر نفسه.

(2) - المصدر السّابق، ص: 375، 376. المقال بعنوان: "عادت لعترها لميس ". نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 64 (24/ 01/1948م).في المقال بسط ورصد وحصر لتحرّكات المستعمر العدوّ لكلّ مقوّمات الشّخصيّة الجزائريّة العربيّة الإسلاميّة. يوضّح الكاتب في بداية المقال دلالة العنوان على ما يريد التّنبيه إليه، وهو أنّ الاستعمار لن يتخلّى أبدًا عن سياسته، ولن ينحرف عن هدفه، وهو الحرب الشّاملة الكاسحة لكلّ مظاهر الإسلام. " ولميس هذه في مورد المثل هي امرأة كانت لها عوائد شرّ تعتادها، وأخلاق سوءٍ تفارقها ثمّ تقارفها؛ لغلبة الفساد فيها، وصيرورته أصلاً في طباعها. - والعتر هو الأصل – فسيّرت العرب فيها المثل. أمّا مضرب المثل فهي الإدارة الجزائريّة، وعترها هو الاستعمار البغيض إلى كلّ نفس، وما يقتضيه من ظلمٍ وعنت للمستضعفين، وما يبنى عليه من انتهاك لحرماتهم، وما ينتهي إليه من وحشيّة في معاملاتهم، وقتل لمعنويّاتهم، ومسخ لأخلاقهم." المصدر السّابق، ص: 371.

٣٣ / ٤٠٤