دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩فما قدّمته الإلياذة تاريخ، يحوي تجارب وقواعد العمل وفق أصول. هذا الذي أعطى لها قيمة كبيرة خالدة. يقول الأستاذ مولود قاسم معلّقًا على الإلياذة، ومبرزًا أهميّة التّاريخ، الذي تضمّنته: " فالتّاريخ هو الأهمّ، والبداية والنّهاية، وبيت القصيد، والزّبدة من كلّ ثقافة، ليس فقط للتّعريف بالأنجاد والأمجاد(1) وليس فقط لاستخلاص التّجارب، ولكن أيضًا لغرس الاعتداد بالنّفس، وتعميق الوعي بالذّات، وتوطيد الاعتزاز بالوطن.
وليس هذا من باب التّغنّي بالماضي، والاكتفاء بما تركه لنا الأجداد، بقدر ما هو عمليّة إبراز الأسس الأصيلة للبناء عليها في انطلاقتنا الجديدة، مع الاستفادة من تجارب الأمم في جميع الأزمنة، وبأخذ ضرورات عصرنا بالاعتبار."(2)
2 – يقول مولود قاسم: " الإلياذة أحسن سجّل لتاريخ الجزائر حتّى اليوم، أي أحسن كتاب فيه وعنه وله. وحتّى إذا ما كتب هذا التّاريخ يومًا ما بصفة كاملة شاملة، فستبقى إلياذة الجزائر أروع تاريخ للجزائر، وأكثر وقعًا في النّفوس، وأسهله على الحفظ والتّذكّر والاستشهاد في معرض الاستشهاد والاحتجاج."(3)
3 – الإلياذة جمعت بين رسم الجمال وسرد الجلال، هي تختلف عن الإلياذات التي كتبت عبر التّاريخ؛ إذ أنّها لم تروِ الأساطير، إنّما خلّدت أمجادًا، ونقلت وقائع وواقعات وأحداثًا حقيقيّة، وأرسلت رسائل مع هذا السّرد، وهذا العرض. ومزجت بين السّرد التّاريخي والعرض الفنّي الرّائق، لذا كتب لها أن تكون دائما جديدة في قراءتها وسماعها؛ لأنّها سجّل تاريخي، وتحفة أدبيّة، وموعظة حسنة، ورسالة مقدّمة وموجّهة إلى كلّ من يقرؤها … فالتّاريخ عند مفدي زكريّاء: " وعي وحسّ وحضور. فهو ينفذ إلى ما وراء الأحداث والأسماء والأرقام، ليستخلص مواطن القوّة والعظمة، ويستشفّ معاني الجمال وأسرار الحكمة. فقد امتزج عنده الحسّ التّاريخي بالحسّ الفنّي، فجاءت على يديه ملحمة البطولات والأمجاد، على تقادم العهد، حيّة نابضة بالدّم، تثير كوامن الوجدان، وتحرّك سواكن الأشجان، قبل أن تجيء وقائع وأحداثًا ومواقف، يتأمّل فيه الفكر، وينظر مدى رجحانها في الميزان. وليس هذا بعزيز على شاعر موهوب، فقديمًا قال أرسطو: (الشّعر أكثر تعبيرًا عن الحقيقة من التّاريخ) "(4) في هذا المعنى يقول مفدي زكريّاء وعن إلياذته:
وقالوا: انحرفتَ بإلياذة … تلوم الشّباب، ومثلك يعلو
هوميروس أرّخ، لم ينتقد … وشهنامة الفرس بالوصف تغلو
فقلت: وشعر الخرافات يفنى … وشعر اليطولات لا يضمحلّ(5)
(1) - الأنجاد: هي جانب الجمال الطّبيعي من الإلياذة، والأمجاد: هي قسم الجلال، أي التّاريخ والدّيمومة والدّوام (مولود قاسم).
(2) - إلياذة الجزائر، ص: 35.
(3) - المصدر السّابق، ص: 30.
(4) - المصدر السّابق، ص: 27.
(5) - المصدر السّابق، ص: 155.