دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٦يضيف ما يوضّح هذا التّوجّه من الاستعمار، سخريّة وتحسّرًا: " … ولو أنّ طفلاً منهم خرج من غاره، ودخل مدرسة عربيّة لجاءت الحكومة تسعى وهي تخشى أن يصيبه سوء من عدم المحافظة على الصّحّة .. "(1)
عمد الكاتب إلى هذه السّخرية والتّهكّم ليقرع الجزائريّين، الذين لا يعقلون، ولا يعون ولا يفقهون ما يحاك ضدّهم، وما يراد لَهم …
يجرّد الكاتب قلمه، ويشهر أسلوب السّخرية ليفضح الحكومة الاستعماريّة في تنكيلها بالإسلام، ويكشف عن تآمرها للفتك به، ويفنّد دعواها المحافظةَ على الدّين الإسلامي بالاستفهام الفاضح النّاطح لكلّ ادّعاء: " وتعالوا نسلّم جدلاً أنّها صادقة في دعواها، ومخلصة في نيّتها، فبماذا تفسّر المحافظة على الإسلام؟ أبابتلاع أوقافه، وأكلها أكلاً لَمًّا؟ والأوقاف هي الأساس المادي للدّين؟ أم بتحويلها المساجد كنائس؟ أم بحسن اختيارها لرجال الدّين؟ أم بأعمالها (المشكورة) في حرية الحجّ؟ أم بتدخّلاتها المعروفة في الصّوم والإفطار والأعياد؟ أم بتنشيطها على الزّرد و (أعراس الشّيطان). "(2)
نبقى مع الأساليب البلاغيّة، ونذكر لونًا آخر من ألوانها، الذي لجأ إليه محمد البشير الإبراهيمي؛ ليتهكّم من الاستعمار الذي يستخفّ بعقول المسلمين، ويستهزئ بدينهم، ويتصرّف فيه كما يشاء. نلتقي هذه المرّة مع (الجناس)، اللّون البديعي والمحسّن اللّفظي، الذي يلجأ إليه؛ لإضفاء المتعة والرّوعة على الكلام. هذه الجمالية صادرة من الإيقاع الجميل، الذي يحدثه التّكرار الصّوتي بين لفظتين. يستغلّه الفنّان أحيانًا ليولّد منه سخرية، تهزم المسخور منه، وتمتع المتلقّي …
(1) - المصدر السّابق، ص: 377.
(2) - المصدر السّابق، ص:105، 106. المقال بعنوان:" ونعود إلى فصل الحكومة عن الدّين" الحلقة السّادسة. نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 104 (23/ 04/1950م) ينظر الأسلوب نفسه المصدر ذاته، ص: 388، 389. و 457، 458 …