دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٣٨

والطّرافة في القول. ومن ثمّ يبعث المتعة في نفس القائل ونفس المستمع، والمطلّع على القول المعرّض. "(1)

محمد البشير الإبراهيمي استعمل هذا الأسلوب كثيرًا، وبخاصّة حين رأى حدوث أشياء غريبة، تتنافى مع العقل، وتتناقض مع الفطرة البشريّة، ممّا سبّب له أسى وحزنًا عميقين، لَم يجد معهما إلاّ أن يتناول المتسببّ فيهما بالتّعريض؛ تهكّمًا وسخرية، فيمرّغ كبرياءه في التّراب، ويعبث به وبشخصيّته، فينفّس عن نفسه.

يعرّض الكاتب بالعرب، الذين هانوا على أنفسهم، واستهانوا بقيمهم، فأهانهم من يتربّص بهم الدّوائر، ومن ينتظر لهم الفرص للانقضاض عليهم. يَعْرِضُ الكاتب هذه الصّورة في قضيّة فلسطين، التي كشفت بجلاء هذا الوهنَ والهوان؛ حين عرّض بما يبديه العرب من سلوك، جرّأ العدوّ على تحقيرهم والاستهانة بهم، فقال تحت عنوان: " العرب واليهود في ميزان الأقوياء"(2): " إنّ الأقوياء الذين تولّوا أمر التّقسيم، وحملوا أولئك الضّعفاء بالوعد والوعيد على التّصويت عليه، ما ارتكبوا تلك الجريمة الشّنعاء، وغمطوا حقّ العرب، إلاّ بعد أن غمزوا مواقع الإحساس من العرب، فرأوهم جادّين كالهازلين، ورأوا منهم ناكثين كالغازلين، ورأوا في أمرائهم المقاومين على أعنف ما تكون المقاومة، والمساومين على أخسّ ما تكون المساومة، وفي شعوبهم الجاهلَ والذّاهلَ، والمتشدّد والمتساهل؛ فبنوا مقدّمات الحكم على هذا التّفاوت في الكيان العربي، وغرّهم بالعرب الغَرور، ولم يتبعوا الأيّامَ نظرَهم، بل وقعت عينهم على يوم العرب، وأغفلوا غدهم."(3)

أهناك تعريض بهذا التّردّي والانحطاط والهوان أكثر من هذا؟ فهذه الأوضاع شجّعت الأقوياء أن يجهزوا على العرب الضّعفاء، فقرّروا التّصرّف في شؤونهم

(1) - السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 279، 280.

(2) - نشر المقال في جريدة البصائر الثّانية، ع: 22 (09/ 02/1948م)

(3) - عيون البصائر، ص: 493.

٣٧ / ٤٠٤