دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٩وممتلكاتهم بما يخدم مصالحهم ومصالح مدلّلتهم إسرائيل. فماذا فعلوا بعد هذا؟:" ثُمّ فعلوا الفعلة النّكراءَ، فوازنوا بين ما نملك من قوى مادية، نستطيع بها المُمادَّة في الجهاد، وبين ما يَملك الصّهيونيّون من ذلك، ودرسوا وقارنوا، واستخدموا الجمع والطّرح، فأنتجت لَهم المقدّمات هذه الحقائق، وهي أنّنا لا نملك مصنعًا للسّلاح، ولا معملاً للكيمياء، ولا رجالاً فنّيّين، كالذي يملكه اليهود من كلّ ذلك، وأنّ ثلاثين سنة مرّت - وكلّها نذر بهذه العاقبة – لم توقظنا من غفلتنا، ولم تدفعنا إلى الاستعداد لها، فقالوا: نقسّمها، ونربح اليهود؛ لأنّ لنا فيهم فائدة معجّلة، ولا نخشى العرب؛ لأنّه ليس فيهم مضرّة مؤجّلة."(1)
التّعريض صارخ ومدوٍّ في هذا العرض المحزن المضحك في آن واحد. إنّه تشريح لهوان العرب، وتشخيص لحالهم المنحطّة المتردّية، التي جعلتهم محلّ مساومة غيرهم، ومحور التّخطيط لفرض مخطّطاتهم عليهم، والأدهى من ذلك أن يكونوا تحت مجهر أصحاب المصالح الأقوياء، الذين وازنوا وقارنوا، وفكّروا وقدّروا ونظروا، وجمعوا المعطيات وطرحوا منها ما لا يسبّب لهم خسارة ولا ضررًا، وأبقوا على ما يفيدهم وينعش مصالحهم. فوجدوا الفائدة في الاحتفاظ بمصالح اليهود؛ لأنّ فيها فائدة معجّلة، ونبذوا العرب؛ لأنّهم لا يشكّلون لهم أيّ خطر، في القريب أو البعيد. ما أحزن الكاتب أنّ الغفلة وسوء التّدبير، هما اللّذان أوصلاَ العرب إلى هذا المصير، إذ لَم يعتبروا بالأيّام، ولم يتّعظوا بالأحداث، ولم يستعدّوا لبناء مستقبلهم، كما فعل غيرهم. فكانت النّتيجة استلاب أرضهم؛ لأنّهم ليسوا أهلاً للاحتفاظ بها.
في عرض الكاتب أيضًا تعريض بهؤلاء الأقوياء، الذين يحكّمون مصالحهم في التّصرّف فيما ليس من حقّهم، وتسيير أمورهم بما يمليه عليهم هواهم، من دون مراعاة القيم والأخلاق والعلاقات العامّة بين بني البشر.
(1) - المصدر نفسه.