دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٤٠

من هذا المنطلق جاء تعريضه بعصور التّقدّم والدّيمقراطية وانتشار الأفكار التي تدعو إلى التّحرّر، وإلى تحكيم العقل في أيّ تصرّف وممارسة؛ لأنّها لم تجد لها تطبيقًا في الواقع، بل كان يضرب بها عرض الحائط، حين يتعلّق الأمر بما لا يروق الذين ينادون بهذه المبادئ والمفهومات. فقضيّة فلسطين لا تجد لها مكانًا في فضاء هذه الأفكار المزعومة، إذ يتغافل فيها عن حقّها، فتباع في سوق النّخاسة وتشترى، بشكل فظيع: " … ولكنّها في هذا العصر عصر الحضارة، حضارة القرن العشرين، وعصر الدّيمقراطيّة، ديمقراطيّة العالم الجديد، وعصر الحرية، حرية الثّورة الفرنسية، وعصر الشّيوعية، شيوعيّة ماركس ولينين، تؤخذ في سوق الأغراض والمنافع الخسيسة بيعًا ومساومة."(1)

الحسرة والكمد باديان في النّصّ، فالكاتب عرض مجموعة من الجهات التي تكالبت على القضيّة الفلسطينيّة، وعرّض بها جميعًا وبما تمارسه ضدّ الفلسطينيّين، وهي التي تدّعي حمل أفكار تدعو، بل تدفع إلى حماية المستضعفين، وإحقاق الحقّ، وإحلال السّلام والأمن في ربوع العالم. ما يدل على هذا الغضب وخيبة أمل الكاتب في هذه الجهات مجتمعة، هو لجوؤه إلى تكرار الألفاظ، التي تَلْفِظُ ما بداخله من شجًى وأسًى وضنًى (عصر، حضارة، ديمقراطيّة، حرية، شيوعيّة) هذه الجهات هي: حضارة القرن العشرين، ديمقراطيّة العالم الجديد، حرية الثّورة الفرنسيّة، شيوعية ماركس ولينين.

في هذه الإشارات وهذّا التّنصيص يبرز التّعريض؛ لأنّ العالم الجديد بحلّته وفكره المتطوّرين – ادّعاء -، والثّورة الفرنسيّة، التي تحمل لواء الحرية والعدل والمساواة قولاً، وقد قامت - أصلا - لانتزاعها من الظّلمة والمستبدّين، وتعهّدت بنشرها في العالم بأسره. والشّيوعيّة التي نَهضت لتحارب الاسترقاق والعبوديّة – زعمًا -، وتؤمّن فرص العيش للجميع بدافع المساواة. كلّ هذه الدّعاوى سقطت حين تحرّكت

(1) - المصدر السّابق، ص: 495.

٣٩ / ٤٠٤