دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٤١

المصلحة الخاصّة، وحين استأثرت الأهواء بالنّفوس، وحين هاجت الأحقاد على العدوّ المشترك، وهو الإسلام والمسلمون.

يستمرّ الكاتب في تتبّع مهازل المستعمر، ومخازي المحتلّ، ونشر غسيله المتعفّن بأوساخ تصرّفاته الشّنيعة. في النّصّ الآتي يعرّض بسياسة فرنسا، التي ما فتئت تمارسها في مسألة " فصل الدّين عن الحكومة "، وتقدّم فيها أفانين من المكر والخداع والتّمويه والتّضليل والمراوغة. يعرّض الكاتب بالحكومة واصفًا ساخرًا متهكّمًا، فيقول: " … ونظرنا نظر المستقلّ، الذي يبني أحكامه على الواقع المحسوس، فوجدنا هذا الوليد النّاقص الذي يسمّونه الدّستور الجزائري، لم يشرّع جديدًا، ولم يزرع مفيدًا، ولم يزد على أن نقل هذه القضيّة من ميدان إلى ميدان، ومن يدٍ إلى يدٍ، نقلها من فرنسا إلى الجزائر، ومن برلمان يسيطر على الأفراد، إلى شبه برلمان يسيطر عليه فرد .. ليدفع الغضاضة عن فرنسا (اللاّئكية)، ويلصقها بفرنسا (المسلمة)، التي تتمسّك من الإسلام بمعابده، وتعرف كيف تسيّره وتسيّرهم. فكأنّه يقول لحكومة الجزائر: لِنتِ فاشتدّي، ورضِيتِ قليلاً فاحتدّي، وتركت لك ما إن عملت به لم تضلّي من بعدي، ولم أضع لك قانونًا، بل شبكة كلّها خروق، فاخرجي من أيّها شئت … "(1)

في هذا التّعريض تبرز النّزعة العقليّة، التي تميّزت بها كتابات الإبراهيمي واضحة، هو ينزع هذا المنزع كثيرًا؛ ليتدرّج مع مخاطبيه في عرض فكرته، فيقنعهم بها. في الوقت نفسه يجهد في إفحام خصمه، وتفنيد رأيه، وفضح تصرّفاته والكشف عن حقيقة ممارساته.

في هذا العرض اجتهد - بهذه النّزعة - أن يفضح المستعمر في مناوراته ومؤامراته، ويكشف المستور من دسائسه، وينبّه البسطاء من النّاس إلى معرفة ما

(1) - المصدر السّابق، ص: 92. المقال بعنوان: " فصل الدّين عن الحكومة" الحلقة الرّابعة. نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 88 (25/ 07/1949م).

٤٠ / ٤٠٤