دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤٢يخطّطه له. فهو بمنطوق كلامه يقول: فلا يغرّنكم ولا يخدعنّكم بظاهر عمله، فتغفلوا عن باطن ما يرمي إليه.
" يظهر التّعريض في هذه الصّفات التي ألصقها الكاتب بالحكومة الفرنسيّة، المتقلّبة بين اللاّئكية، حين تكون في فرنسا وتشرّع للفرنسيّين، وبين الإسلام حين تكون في الجزائر وتشرّع للجزائريّين، وتتصرّف مع الدّين فيها. ما بلفت النّظر في هذا التّعريض التّضمينُ الذّكيّ للحديث النّبوي الشّريف، الذي يبيّن للمسلمين طريق الرّشاد والاستقامة والهداية، وهو العمل بِهديه. فالأمر نفسه يجب أن تسلكه الحكومة، وهو السّير على هدي الدّستور الجزائري، الذي يبيّن لها ما إن اتّبعته، لن تضلَّ بعده أبدًا، وهو الزّيادة في الشّدّة والتّضييق والتّنكيل، وسبيل ذلك شبكة من قوانين، كلّها خروق، تعين على التّصرّف، وبكلّ حرية في كلّ موقف؛ لأنّه لا حرج عليها في التّأويل. وهو ما يتيح لَها إيجاد أيّ مخرج أو حجّة للّعب بِمصائر المسلمين، والتّسلّط عليهم وقهرهم."(1)
ما جمّل هذا التّعريض، وأعان على الكشف عن حسرة الكاتب ودهشته من المفارقات العجيبة في سلوك فرنسا المتناقض، المتلوّن والمتحوّل من ميدان إلى ميدان، ومن وضع إلى وضع. هذه المقابلةُ بين حالين، أو هذه الثّنائية في العرض. فمسألة فصل الدّين عن الحكومة تتغيّر بتغيّر مكان تطبيقها فيه، هي تنتقل من برلمان يسيطر على الأفراد في فرنسا، إلى شبه برلمان يسيطر عليه فرد في الجزائر. هذا النّقل يدفع الغضاضة عن فرنسا اللاّئكية في فرنسا، ويلصقها بفرنسا (المسلمة) في الجزائر ..
ثمّ يقدّم الكاتب ملاحظات وتنبيهات، ممّا يومئ إليه هذا الدّستور الوليد النّاقص، وهي تفصيلات وتوجيهات، يفقهها من وُكِل إليه أمر فهم ما يشير إليه في خطابه وتشريعه، ومن يعرف جيّدًا ماذا تريد فرنسا تحقيقه. فيردف قائلاً: " … وكأنّه يقول لها: بدأتِ فتمّمي، وخصّصتِ فعمّمي، وصدعت الحائط فرمّمي،
(1) - السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 284، 285.