دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٤٣

وتساهلتِ فصمّمي، وأشرتِ بالتّرياقِ وأنتِ … فسمّمي، وجَمّلتٍ الوجهَ قليلاً فذمّمي. وقالوا: إنّ فرنسا تغضب الإسلام، فأقيمي الدّليل على أنّ المسلمين راضون، وشدّدي اللاّم من صفتهم، فإذا هم (مُسَلِّمون). ففهمت الحكومة هذه الإشارة، وتلقّتها كأنّها بشارة، وكيف لا تستبشر والدّستور برمّته (لا مركزية)؟ من النّوع الذي يسيل عليه لعابها، وبنود القضيّة الدّينيّة منه إطلاق لِيَدِهَا في التّصرّف المطلق؛ لذلك فهي قد فهمت من الدّستور أشياء، غير ما فهم النّاس؛ ولذلك قامت بالتّنفيذ على حسب مفهومها، لا على حسب فهم النّاس … "(1)

التّعريض بالحكومة، جمّلته جمل مسجوعة في هذه الفقرة، جاءت متوازنة في تركيبها، ومتناسقة في إيقاعاتها، تولّدت من جرْس الكلمات، الذي تعمّد الكاتب إيجاده، ليفصح عن مكنونه، وهو ما زاد من وقعه المؤثّر في نفس المتلقّي. وهو من الكاتب تفنّن، دفع إليه ازدياد توتّره ممّا يراه أمامه، وما يحسّ به من تفجّع وألم من تصرّفات الحكومة المتزايد، فزاد هو من حدّة خطابه، وشدّد من لهجته. وكان من نتائج ذلك تعريضه أيضًا بالمسلمين، الذين انتقل بهم إلى (مسلِّمين)؛ إذ بخذلانهم وسكوتهم وهوانهم، أثبتوا أنّهم راضون بما يُفْعَلُ بهم، فالحكومة بما تقوم به تبيّن بالدّليل أنّ صنيعها مشروع؛ فهؤلاء القابعون في ذلّهم قابلون بما تفعل بهم. لفحهم الكاتب بهذا التّعريض الذي يطفح حزنًا وأسًى على المسلمين النّاكصين النّاكثين.

هذا الدّليل هو شاخص في تنفيذ الحكومة الفرنسيّة ما فهمته من الدّستور. يضيف الكاتب: "فبدأت بالمجلس الجزائري، فصاغته على ما يوافق هواها، وظفرت منه بمفرد يأتي بالجماعة، ولها من ورائه مددٌ من (رجال الدّين)، وعدد من المرتزقة المجنّدين، وبددٌ

(1) - عيون البصائر، ص: 92.

٤٢ / ٤٠٤