دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٤٦

وهو المال، الاشتراك، التّبرّع، الإعانة، فقالوا في أنفسهم: إنّ هذا لشيءٌ لم نُخلقْ له، إنّ هذا لشيءٌ يُراد … "(1)

كلّ الحركات التي سجّلها الكاتب لهذه الجماعة في هذا الاجتماع هي شاذّة، تكشف عن انحراف في الشّخصيّة السّوية للإنسان العادي. إذ كيف يعقل أن ينضمّ ناس إلى تنظيم لا يدرون لماذا حشروا أنفسهم فيه، ولا يعرفون ماذا يقومون به؟ كيف يتصوّر قومٌ لا يفقهون معنى التّبرّع والإعانة والنّظام … ؟ وهم الذين انضمّوا إلى تنظيم تأسّس ليقوم بأعمال تناهض أعمال من يراهم مؤسّسوه ضالين عن سواء السّبيل، وهم أعضاء جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين؟ وعملهم لا يقوم إلاّ على ما نفى الكاتب استيعابَهم له. إنّها المبالغة في التّصوير المغرق في السّخرية والتّهكّم والتّفكّه؛ لغرض بيان سوء تصرّف أعضاء جمعية السّنّة، وجهل أتباعهم بما يراد لهم.

يبدأ التّصوير بهذه المبالغة السّاخرة بِهؤلاء الأتباع، الذين استجابوا لنداء أسيادهم، من دون أن يفقهوا في الأمر شيئًا. هم ينتمون إلى جمعيّة لها رئيسها وبرنامجها، ولها أهدافها المحدّدة والمرسومة سلفًا، رغم كلّ ذلك فهم لا يعرفون عن ذلك شيئًا، هم يحضرون لأوّل مرّة في حياتهم اجتماعًا دعوا إليه .. هذه التّصرّفات هي انحراف عن سواء الفطرة البشرية. وهو عيب أراد الكاتب لفت النّظر إليه.

ثمّ يتدرّج الكاتب في وصف مركّز للحركات والإشارات الظّاهرة والباطنة، التي أبداها هؤلاء الأتباع. أبرزها عن طريق المبالغة في التّصوير؛ ليبيّن علامات الدّهشة والاستغراب التي أظهروها، حين سمعوا كلمات ومصطلحات، لا عهد لهم بها، ولا خطرت ببالهم؛ لأنّهم لم يخلقوا لها، فكلّ ميسّر لما خلق له. هي ألغاز وطلاسم، لم يألفوا سماعها، هي غير موجودة في قاموس حياتهم، البعيدة عن هذا المسار: ما هو النّظام، ما هو الاشتراك؟ ما هي المواد، وما هي اللّجان … ؟

(1) - سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، دار الكتب، الجزائر، 1982م، ص: 60.

٤٥ / ٤٠٤