دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٤٧

أتصوّر هؤلاء – حسب وصف الكاتب المبالغ فيه – وأتَخيَّلُهم في حالة مزرية: شفاههم ممتدّة إلى الأمام، جباههم مقطّبة عليها تَجاعيد، وجوههم مصفرّة، انعدم الدّم فيها، عيونهم غائرة لا ترى الأشياء رؤية سليمة …

تشتدّ حالهم، وتنقبض نفوسهم، ويتوقّف الدّم في عروقهم، حين بتحوّل الأمر من القول إلى الفعل؛ فيطلب منهم ما لا علم لهم به، ولا فكّروا فيه، يوم قبلوا الانضمام إلى جمعيّة السّنة: (المال، الاشتراك، التّبرّع، الإعانة … ) فلا يملكون إلاّ الحيرة، ولا يجدون جوابًا يتنصّلون به ممّا وقعوا فيه سوى استعارة جواب الكفّار، الذين لم يصدّقوا ما قيل لهم: ليس هناك آلهة، إنّما هو إلهٌ واحد. (إنّ هذا لشيءٌ يراد).هذا التّضمين لجواب الكفّار، وهذه الإشارة تحمل كلّ آيات السّخرية والتّهكّم بمن لا يدري ما يراد له، وما يفعل به، فغيره أراد له أشياء هي عجاب، هي اختلاق. قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا ِلَشَيْءٌ عُجابٌ وانْطَبَقَ المَلأُ مِنْهُمُ أنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا علَى آلِهَتِكُمُ إنَّ هذَا لَشَيْءٌ يُرادُ ما سَمِعْنَا بِهذا في الملَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾ (سورة ص، الآيات: 5 – 7).

كتب الإبراهيمي كثيرًا عن قضيّة فصل الدّين عن الحكومة، وقدّم صورًا كثيرة، وعرض مواقف متعدّدة لها في الموضوع، وسرد مشاهد مختلفة؛ ممّا تعرّضت له من المناورات والمؤامرات والمداورات. كتب يصوّر مواقف الحكومة الفرنسيّة وحركاتها وممارساتها تصويرًا كاريكاتوريًا، عسى يجدي هذا الأسلوب في تليين مواقفها فتستمع إلى مطالب الوطنيّين الأحرار. أو على الأقلّ يتمكّن الكاتب أن ينفّس بهذا الأسلوب عن نفسه المأزومة المكلومة: " كتبنا في هذه القضيّة، ما إنّ مداده ليكوّن عدّة غُدران، وما إنّ صحائفه لتغطّي بضعة جدران، ولكن كنّا مع هذه الحكومة المتصامّة – من عتوّ واستعلاء – كمن يحرق البخور لأصحاب القبور.

٤٦ / ٤٠٤