دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٤٨

ونحن نعلم أنّ الحكومة تترجم كلّ ما نكتب، وتقرِؤُه فتفلي الحروف، وتحدّد مواقعها من الكلمات، ومواقع الكلمات من الجمل، ومقام الجمل من المواضيع، وتفسّر وتحلّل على قدر ملكتها في العربيّة، وحظّها من بيانها، وتستعرض الاحتمالات القريبة والبعيدة في المعاني، وتحمل الكلام من المقاصد وحظّها ما يطيق وما لا يطيق، وتجاوز أنواع الدّلالات المعروفة، من مطابقة وتضمّن والتزام، إلى الإشارة والإيماء والاقتضاء. تفعل كلّ ذلك لا لتمحّص الحقّ ثمّ تفيءَ إليه عند ظهوره، بل لتؤلّف قاموسًا من الجمل – التي هي لباب الحقّ – فتنسّقها في ملفّات، فتحاسبنا عليها متى عرضت دورة فوق العادة، أو فورة فوق القانون."(1)

عبّر الكاتب عن خيبة أمله، وصوّر امتعاضه من مواقف الحكومة بواسطة التّصوير الكاريكاتوري؛ ليدقّق في رسم حركات الحكومة، وهي تقوم بفحص ما ينطق بما يكتبه، تحلّله كلمة كلمة، وجملة جملة. تقرن بين أجزاء الكلام، وتربط السّابق باللاّحق، وتفرز بين التّصريح والتّلميح. تتدرّج في ذلك من البسيط إلى المركّب، وتتابع تنقّل الحروف، من الكلمة إلى الجملة إلى الموضوع: إلى أن تستقرّ في قاموس، يوضع في ملفّ، تُحاسب به على اقتراف المحظور، في دورة غير عادية، وفي فورة تتعدّى على القانون.

هذا التّفصيل في العرض والتّحليل، والتّدرّج في الوصف، والتّركيز على نقط معيّنة، والمبالغة في تقديمها، وإضفاء الحركيّة على تناول الحكومة لكتاباته في موضوع فصل الدّين عن الحكومة، برصد حركاتها ووصف تأنّيها في قراءاتها، وطول النّظر فيها، طولَ مدّة بحث المسألة … كلّ ذلك صبغ النّصّ بصبغة الكاريكاتورية. " هكذا يعين الكاريكاتور والمبالغة في التّصوير على إضاءة جوانب من نفس الكاتب السّاخر، وما

(1) - عيون البصائر، ص: 136. المقال بعنوان: " أهذه هي المرحلة الأخيرة من فصل الحكومة عن الدّين "، الحلقة: 11، نشر المقال في جريدة البصائر الثّانية، ع: 137 (15/ 01/1951م).كتب الإبراهيمي في الموضوع أكثر من اثنتين وعشرين حلقة. ينظر المصدر السّابق، ص: 80 – 267.

٤٧ / ٤٠٤