دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٥٢

النًّصّ ينضح كلّه تبكيتًا، في لغته الرّامزة، وفي مضمونه، الذي ذكّر فيه الكاتب هؤلاء الأدعياء ببعض معتقداتهم ومصطلحاتهم الغريبة، التي يوظّفونها في حياتهم، وفي تصرّفاتهم الشّاذة، التي بها يبرهنون أنّهم بعيدون عن السّنّة. هو بنفي عنهم اتّصافهم بالبصيرة النّافذة، والذّهن الوقّاد، والقريحة الحيّة؛ لهذا يجب أن يتركوا الميدان لغيرهم، الذين يحسنون التّعامل مع الكتاب والسّنة وهدي السّلف بما يليق بها … وفي النّهاية يواجههم ويبكتهم بأسئلة تقريعية، يخاطب بها نفوسهم؛ عساها ترعوي وتثوب إلى رشدها، فترجع إلى سواء الصّراط … نترك للمتلقّي الوقوف بنفسه عند مظاهر هذا التّبكيت. إلاّ أنّ قوله: " ولو كان الشّيطان لكم نصيرًا " متحدّيًا بها هؤلاء المدّعين فهم اشّريعة وفقهها جيّدًا … يرجع بنا إلى قوله تعالى؛ متحدّيًا الثّقلين أن يأتوا بمثل القرآن، وفي الرّبط بين قول الإبراهيمي وقوله تعالى يكمن التّبكيت، وتكون التّهكّم والتفكّه والازدراء. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الاِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيرًا﴾ (سورة الإسراء:88)

يزيد الكاتب هؤلاء شماتة، فيعرض جانبًا آخر من مخازيهم، التي تعلن بعدهم كلّ البعد عمّا يدّعونه من الاستمساك بالسّنّة .. والصّدور عنها في سلوكهم. إنّه مظهر استغلال الأتباع في ابتزاز أموالهم، واستغفالهم ببعض الحركات، المنافية للدّين. يتهكّم بهم ويطلب منهم الابتعاد عن المضمار، فهم ليسوا له أهلاً.

يعقد مقارنة ماكرة بينهم وبين اللاّهوتيّين، الذين يراهم أفضل منهم، ماداموا قد تساووا معهم في العبث واللّهو واللّغو، فهم متفوّقون عليهم بما يشير إليه في الفقرة الآتية. فعل هذا تعريضًا بتصرّفاتهم. قال: " … آنَ للاّهوتيين من العالم أن ينتزعوا من أعمالكم حجّة، مدارها على هذا المقياس ما دامت العبادة بالبندير أو بالبيانو، فالبيانو أرشق، وما دام الأمر بين أكل الأفاعي وبين أكل الخبز المقدّس،

٥١ / ٤٠٤