دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٥٤من حكومة كاثوليكيّة لائكيّة، أن تضيف نقيضًا ثالثًا، وهو (التّمسّك بالإسلام)."(1)
سخرية الكاتب كانت من المفارقات التي سجّلها عن هذه الحكومة. هي تجمع بين الفصل والوصل في آن واحد. وتهكّمه كان من صدور تناقضات صارخة في مواقفها، وفي طبيعتها: حكومة لائكيّة تتبنّى المذهب الكاثوليكي، تضيف إلى ذلك التّمسّك بالإسلام. وتفكّهه بها كامن في تعبيره الموغل في الاستهزاء بالحكومة. هي تحلف برأس كلّ عزيز عليها أنّها قادرة على الجمع بين الفصل والوصل .. هي زعيمة الجمع بين المتناقضات ..
هذا التّهكّم أو الضّحك على الحكومة هو من قبيل التّنفيس عن النّفس، والكشف عن مخازيها، التي ينبّه إليها الكاتبُ الجزائريّين؛ ليحتاطوا لأنفسهم، ويعتمدوا عل إمكاناتهم في حلّ هذه المشكلة، ولا ينتظروا من هذه الحكومة شيئًا.
في الحقيقة هي ليست متناقضة، إنّها تقرّر ما تقرّر حسب مصلحتها والظّروف التي تكون عليها. ولكنّنا نحن نستمتع بهذا التّصوير والتّعبير ونتفكّه، ونقرأ من خلاله حالة التّذمّر التي كان عليها الأحرار الذين تأخذهم على دينهم الغيرة والأنفة، ونسجّل من خلال هذا التّعبير جهادهم ونضالهم ومقاومتهم لكلّ تعدٍّ على مقوّماتهم.
أوضاع الجزائريّين المتردّية، التي أفرزتها الممارسات التّعسّفية الني يقترفها الاستعمار في حقّهم، تزرع الأسى والحزن في قلوب الوطنيّين، فيتحرّكون لكشف ذلك، فيتّخذون أسلوب السّخرية أحيانًا وسيلة في التّعبير عن ذلك. سجّل الإبراهيمي هذا الضّيم الذي تعرّض له الشّعب الجزائري، فتدهورت حاله، فقال بأسلوب المفارقة: " … في الجزائر إسلام مستباح الحمى، منتهك الحرمات، وفي الجزائر أوقاف دينيّة منقوصة العقود، مهدومة الحدود، وفي الجزائر مشرّدون شبعوا بالجوع، واكتسوا بالعري، وعلموا بالجهل، وتداوَوا من المرض بالمرض، واستجاروا من الموت بالموت فأجارَهم، فلا هم أحياء ولا هم أموات …(2)
إنّ الكاتب أراد إخراج ما في صدره بهذا العرض السّاخر، في الوقت نفسه كان يقصد إلى إحراج فرنسا بالكشف عمّا تقوم به؛ بلفت الضّمائر الحيّة إلى هذه الممارسات. هذا الأسلوب الذي يقوم على الإيلام غير المباشر، والوخز غير الظّاهر في بدايته، لكنّه ينفذ إلى أعماق المسخور منه ببطء، لا يتفطّن له إلاّ بعد أن يتمكنّ منه، فيؤذيه ويؤلمه؛ إذ يُبينُ عن خلل في تركيبة كيان المفكّه به؛ حين يقرأ المتلقّي هذا التّناقض في سلوكه وتصرّفاته. فكيف يشبع الإنسان بتجويعه؟ وكيف يتعلّم بتجهيله؟ وكيف يُكسَى بتعريته؟ وكيف يُداوَى بتسليط المرض عليه؟ فمن يطّلع على هذه الأعمال المشينة يعرف حقيقة المستعمر؛ فيهزأ به، ويحتقره، ويثور عليه. هذا ما يخشاه الظّالم ويتوجّس منه خيفة. وهو ما يهدف إليه الكاتب. فأسلوب المفارقة يحقّق هذا بطريقة فنّية.
أسلوب التّفكّه
قد يلجأُ الأديب إلى أسلوب التّفكّه؛ ليرفّه عن نفسه، أو ليشبع رغبة فيها، فيتندّر أو يداعب أو يضحك … قد يعمد إلى نقط الضّعف في بعض الأشخاص، أو إلى بعض المظاهر المثيرة، أو غير العادية … فيتندّر بها ويتفكّه، من دون أن بقصد إيلام أصحابها، أو التّشهير بهم. وقد يكون لهذا التّفكّه هدف محدّد، وهو استخلاص عبر ودروس من هذه السّخرية الفكهة. كما نلمس ذلك في مقالات أحمد رضا حوحو، التي تناول فيها شخصيّات، بميزانه في جريدة البصائر الثّانية(3). وقد يكون دافع السّاخر بعث التّفاؤل
(1) - عيون البصائر، ص: 62. المقال بعنوان: " فصل الدّين عن الحكومة: طلائع ومقدّمات "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 57، (22/ 11/1948).
(2) - المصدر السّابق، ص: 388.
(3) - ينظر نماذج من تحليل ما كبته عن هذه الشّخصيات كتابنا: السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 299 – 305.