دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٥٥

في النّفس؛ بمحاولة التّسامي على الألم، وتناسي المصائب والمشاكل وتجاوز المنغّصات … كما نلمس ذلك عند مفدي زكرياء، في كثير من رسائله التي كان يرسلها من السّجن.

قد يكون الدّافع إلى التّفكّه الحرص على أداء رسالة، أو الرغبة في نشر فكرة، أو بثّ مشاعر … كما عرفت بذلك بعض كتابات الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان. ومقالات الشّيخ حمّو لقمان، وبخاصّة ما كان ينشره في جريدة البستان لأبي اليقظان …

كتب الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي عن رحلته إلى باكستان، وعن مشكلته مع اللّغة التي واجهته في هذا البلد(1)؛ إذ كان لا يحسن إلاّ اللّغة العربيّة، وأهل باكستان لا يتكلّمونها. فكتب متهكّمًا متندّرًا بما حدث له مع مخاطبيه ومستقبليه وزائريه: " … أبت لي همّتي أن أجمع بين الجهل والعجز، فتعلّمت في بعض يومٍ ألزمَ ما يلزمني للضّروريات، أهمّها - عندي – طلب الماء البارد في ثلاث كلمات: طانده، باني، لاو. والأولى معناها: بارد، ولكنّ مخرج الطّاء فيها من أغرب المخارج، والثّانية معناها: الماء، والثّالثة معناها: هات ومن هذه الجملة تعلم صعوبة التّركيب، وغرابته في ذوق العربي. ومن اللّطائف أنّ أستاذي في هذه الجملة هو ولدنا الفضيل، حلّ به ما حلّ بي، فحفظ ثمانين كلمة من الأوردية، فألّف منها قاموسًا غير محيط، وفتح الله عليه فأصبح معلّمًا لتلميذ واحد، هو أنا، ثمّ حفظت زيادة عن شيخي كلمة (بَزَاف) بفتح الأوّلين وسكون الثّالث، ومعناها الثّلج، ثمّ حفظت ثلاث كلمات ضرورية، وهي (أو) ومعناها تَعالَ، و (جاو)، بمعنى اذهب، و (جالدي)، ومعناها أسرع. وأسعفتني الذّاكرة بكلمة تركية، حفظتها قديمًا، ووجدتها هنا، وهي (نَماز)، ومعناها الصّلاة، وحفظت (روطي)، ومعناها الخبز، و (نَماك)، ومعناها الملح، ومن حصل على الصّلاة والماء البارد والعيش والملح، فقد فاز فوزًا عظيمًا. وحفظت (يَهوت)، ومعناها كثير، و (اِمروز)، بكسر الهمزة، ومعناها اليوم،

(1) - ينظر جريدة البصائر الثّانية، ع: 198 (04/ 08/1952م).

٥٤ / ٤٠٤