دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٥٨في هذا التّفكّه إيماءة، بل دعوة إلى وجوب حذق أمور أساسيّة في حياة الفرد المسلم؛ حيثما وكيفما يكون، وهو ما يفهم من قوله: " ومن حصل الصّلاة والماء والعيش والملح فقد فاز فوزًا عظيمًا".
هذه إشارات، قدّمها الكاتب للقارئ في ثوب فكهٍ طريف ظريف، يزيل به السّأم والملل عن نفسه، وفي الوقت ذاته يجذب المتلقّي إليه؛ ليملي عليه ما يريد. هذا ما عناه الدّكتور محمد ناصر، حين قال: إنّ الشّيخ البشير الإبراهيمي يشيع في كتاباته روحًا فكهة " تجذب القارئ أو السّامع؛ لأنّ اللّهو والسّخر يخرجان اللّفظة عن جمودها وصرامتها، ويفتّقان أكمامها، ويبعثان فيها الحركة، وهو بذلك يذكّرنا بأدب الجاحظ."(1)
في أرجوزته " رواية الثّلاثة " داعب ثلاثة من أبنائه الأدباء، الذين كانت لهم مشاركة كبيرة في الحركة الإصلاحيّة، وفي ميدان التّعليم بخاصّة.(2) شعر الشّاعر الإبراهيمي بأنّ هؤلاء الأبناء قصّروا في حقّ أبيهم الرّوحي، الذي كان يأبوهم ويحبوهم(3)، وكان يعاملهم معاملة خاصّة: رعاية وتثقيفًا ومداعبة … وهم أنفسهم كانوا يشعرون بهذا. لكن لمّا طرأ طارئ(4)، وفرّق بينهم وبين شيخهم وأبيهم، تقاعسوا عن التّواصل معه، ولو بالمراسلة؛ وفاء لصاحب الفضل عليهم … تأثّر الأب الرّوحي لذلك: " فألقى الشّيطان على لسان الشّيخ، أو ألقى هو على لسان الشّيطان هذه الأرجوزة الطّويلة، ونحل كلّ واحد من الثّلاثة ما يستحقّه من فصول ومعانٍ، في صور مجالس، يتجاذبون فيها أطراف الحديث عن هذه الزّلة التي ارتكبوها … نظم الشّيخ هذه الرّواية، وتخيّل معانيها في أوقات متضاربة، كانت الوحشة والملل ألزم صفاتها، فجعلها مذبّة للوحشة ومجلبة للأنس وأداة للتّسلية "(5)
القصد إلى التّفكّه والمداعبة واضح في هذه الأرجوزة، من خلال تصريح الشّاعر بذلك. لقد شعر بالوحشة في منفاه؛ بسبب ابتعاده عن ميادين النّشاط والحركة، وإبعاده عن الأصدقاء والخلاّن، وتقاعس الأبناء عن المراسلة والتّواصل. فكان لابدّ من إيجاد وسيلة لدفع هذا الملل وهذه الوحشة والغربة عن نفسه، والتّنفيس عن قلبه. ففكّر في هذه المداعبة الطّريفة الظّريفة الخفيفة، بِهذه الأرجوزة الطّويلة، طول ما شعر به الشّاعر من كآبة وحسرة وسأم … وإن كانت المداعبة لم تخلُ من فوائد علميّة، وبخاصّة في مجالي اللّغة والأدب، ولم تنعدم منها العبر والدّروس …(6)
الفكرة التي بنيت عليها الرّواية طريفة. تمحورت حول (الفرنك اللّعين)، الذي منع هؤلاء المعلّمين الثّلاثة عن مراسلة شيخهم؛ فقد عجزوا عن دفع قيمة طابع البريد، فأحجموا عن كتابة رسالة واحدة إليه. صوّر الشّاعر تألّمّهم النّفسي، وقدّر وخز ضمائرهم؛ بسبب هذا التّقاعس عن الكتابة، ووقوف الفرنك اللّعين أمامهم عائقًا وحاجزًا عن التّعبير عن عواطفهم النّبيلة، ووفائهم لشيخهم …
تفنّن الشّاعر في التّفكّه والدّعابة، فتخيّل عبث الفرنك بعقول الأبناء الثّلاثة، وقدّر تفكيرهم في كيفية التّصرّف مع هذا الوضع، وفضّ مشكلة دفع قيمة الطّابع؛ لإيجاد حلّ للقيام بواجب الوفاء والبرّ بشيخهم، والإسراع إلى مراسلته .. فكان الاستدعاء لعقد اجتماعات وجلسات للنّظر في الأمر. وكثرت المناقشات، وتعدّدت الاقتراحات، وطال
(1) - الدّكتور محمد ناصر، الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي من خلال نثره الفنّي (مخ)، ص: 23.
(2) - هؤلاء الأدباء هم: الشّيخ سعيد بن حافظ، مدير مدرسة التّربية والتّعليم الحرّ بقسنطينة، وعبد الحفيظ الجنّان، ومحمد بن العابد الجلاّلي، معلّمان بالمدرسة.
(3) - يأبوهم: يعاملهم معاملة الأب لأبنائه. يحبوهم: يعطيهم.
(4) - هو حدث نفي الشّيخ البشير الإبراهيمي إلى مدينة " أَفْلُو " (جنوب الجزائر)، في أثناء الحرب العالمية الثّانيّة.
(5) - آثار الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الأوّل، ص: 281، 282.
(6) - ينظر المصدر السّابق، ص: 287.