دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٦٥ـــــــــــــــــــــــــي
وراوَدَتْهُ القَهْوَةُ اسْتِسْلامَا … عَنْ نَفْسِهِ، فاسْتَعْصَمَ اسْتِعْصامَا(1)
° ° الصّورة الفنّية في أدب الإبراهيمي
يعمد الأديب الفنّان إلى التّصوير ليكشف عن عالمه الدّاخلي، وما يعجّ فيه من مشاعر وأحاسيس؛ فينقلها إلى المتلقّي بطريقة، تمكنّه من التّجاوب معه شعوريًا، وبذلك يعيش معه موضوعه أو فكرته، أو عواطفه. بمعنى أوضح إنّ الفنّان يعمد إلى التّصوير ليشخّص حالته النّفسيّة، بواسطة الظّلال والإيحاءات التي يمدّها بالتّعبير الفنّي. هذه هي طبيعة العمل الأدبي. يقول سيّد قطب: " فميزة التّعبير الأدبي هي الظّلال التي يخلعها وراء المعاني، والإيقاع الذي يتّسق مع هذه الظّلال، ويتّفق في الوقت ذاته مع لون التّجربة الشّعورية التي يعبّر عنها، ومع جوّها العام."(2)
التّصوير يكون في الشّعر مثلما يكون في النّثر، بل يصعب إيجاد حدّ فاصل بينهما في هذا المجال، هذا ما جعل أحد الدّارسين يقول: " إنّ أساس شاعرية النّثر يكمن في طريقة استخدام اللّفظة في النّصّ الأدبي."(3) " فليست هناك كلمة شعرية، وأخرى غير شعرية، وإنّما هناك تشعير الكلمات المستحدثة. "(4) فكيف كان التّصوير السّاخر في أدب الإبراهيمي؟ نحاول الإجابة عن هذا السّؤال بعرض نماذج من هذا التّصوير.
يتهكّم الكاتب ببعض النّاس الذين يصنّفون في خانة العلماء، وهم بعداء كلّ البعد عن هذه الدّائرة، وهذا الشّرف، بسبب ما يأتون من أعمال، لا تثبّت فيهم صفة العالم، بل هم يفقدون هذه الميزة سريعًا. دليل الكاتب في هذا هو تزحزحهم عن مركز القيادة والصّدارة، بمجرّد بروز من هو أحقّ منهم بهذه المكانة، أو ظهور من يفضح زيف هذه السّمة والصّفة فيهم.
ليعبّر الكاتب عن هذه الحقيقة ويصوّرها للمتلقّي عمد إلى التّشبيه، ليبني منه صورته البلاغية:"وآية ذلك أنّ علمهم لم يؤهِّلْهم لقيادة الأمّة، فتركوا القيادة لغيرهم، وأصبحوا كأدوات التّصدير التي يسبقها حرف الجرّ، فيدخل عليها، ويعمل فيها. "(5)
من كلمة التّصدير بنى الكاتب صورته، إنّ الصّدارة استرقها شبه العالم. ومن طبيعة أدوات التّصدير أنّها تحتلّ مكان الصّدارة مؤقّتًا، في غياب ما يبعدها عن هذا المكان. بهذه المقارنة نلحظ المماثلة والمشابهة الدّقيقة الني قصدها الكاتب بهذا البناء الفنّي. فهؤلاء النّاس الذين يدّعون ما ليس عندهم، ويأخذون أماكن غيرهم، هم كأدوات التّصدير، التي لا تثبت مكانها، حين يأتي ما يجرّها منه، مثلما يُجرُّ هؤلاء النّاس بسهولة من المجال الذي احتلّوه، حين يأتي من هو أحقّ بتلك المكانة.
(1) - المصدر السّابق، ص: 330.
(2) - سيّد قطب، النّقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1403هـ/ 1983م، ص: 43، 44.
(3) - عبد الحميد بوزوينة، بناء الأسلوب في المقالة عند الإبراهيمي (دراسة وصفيّة تحليليّة فنّية)، ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، 1988م، ص: 128.
(4) - الدّكتور صلاح فضل، نظريّة البنائية في النّقد الأدبي، ط3، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، بغداد، العراق، 1987م، ص: 399.
(5) - عيون البصائر، ص: 639. المقال بعنوان: " الأستاذ محمد بهجت البيطار"، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 64، (24/ 01/1949م).