دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٦٦يبقى الكاتب ملتزمًا بِمسؤوليّته في الكشف عن الزّيف والخواء اللّذين يلتصقان بالنّاس السّلبيّين، فيعمد هذه المرّة إلى بيان الفراغ العاطفي لرجال الدّين نحو الملّة والوطن. وهم صنف من النّاس تنتخبهم الحكومة الفرنسيّة؛ لينفِّذوا سياستها في الجزائر، ويقوموا على مشروعاتها فيها. لكي يبيّن الكاتب أنّ هؤلاء فارغو الرّوح، فاقدو الإحساس الدّيني … وهم في المواقع التي يشغلونها، لا يمثّلونها، ولا يساوون شيئًا؛ إذ لا حسّ لهم، ولا أثر لهم إيجابي في خدمة دينهم ووطنهم … ليصوّر ذلك قال: " … ويومئذ يصبحون في الفراغ من المعاني الإسلاميّة كمدافع المتحف، كلّ ما فيها من مظاهر الرّوعة: الاسم والصّورة. "(1)
يسخر الكاتب من هذا الصّنف من النّاس، الذين لا يملكون روحًا، ولا يحملون معنًى، بل هم هياكل قابعة في مناصبها، تخدم عدوّ الشّعب، وتحقّق مصالحه، ولا تأبه بشؤون الأمّة والوطن … اختار لذلك صورة المدفع، الذي يحتفظ به في المتحف، بعد أن يفقد مفعوله وروعته، التي يكون عليهما حين يكون في ميدان القتال.
كانت الوسيلة هي (التّشبيه) وأداتها (الكاف). مع ذلك تبقى الصّورة ضعيفة، لا نلمس فيها ظلالاً وامتدادات شعوريّة؛ لأنّها لم تَلِجْ بنا إلى داخل نفس الكاتب، بل أبقتنا هذه الصّورة خارجها، نتلمّس هذه المشاعر تلمّسًا. أعاقتنا عن ذلك أداة التّشبيه التي تقف أحيانًا دون انتقال العدوى الشّعوريّة إلى المتلقي. يقول إيليا حاوي: " فالكاف وكأنّ وما أشبه، هي وسيلة من وسائل التّمييز الخارجي، ونتيجة لرغبة الإنسان في تحديد الأشياء، وفصل بعضها عن بعض فصلاً تامًّا. إنّ
(1) - عيون البصائر، ص: 152. المقال بعنوان: " أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضيّة: فصل الحكومة عن الدّين "، الحلقة: 15، نشر المقال في جريدة البصائر الثّانية، ع: 142 (12/ 02/1951م)