دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٦٩

التّهكّم في الصّورة الفنّية أوجده التّحوير الذي أحدثه الكاتب في مضمون المشهد القرآني؛ ليستجيب لمشاعره، التي تدفع به لينال من خصمه، ويعبث به.(1) فموسى - عليه السلام - خرج من مصر هاربًا من الأقباط، راجعًا إلى مدين، فتاه في الطّريق، وضلّ السّبيل، فقصد نارًا رآها؛ ليأتي منها بِجذوة من نارٍ، يستدفئ بها وأهله، أو يحصل على قبس يستضيءُ به، ويهديه إلى الطّريق الصّحيح. فهو انتقل من ضلال إلى هدًى، بينما الزّاهري يقصد نار الطّرقية؛ لينتقل من هدًى إلى ضلال. إذن إنّ هدى الطّرقية هو ضلال عن سواء السّبيل. فالتّعبير بالهدى في هذه اللّوحة هو تَهكّم وسخرية واستهزاء.

حين نتذكّر أنّ محمد السّعيد الزّاهري كان عنيفًا على الطّرقيّة، وكان يُحاربُها حربًا شديدةً، نقف على قوّة تعريض الكاتب وشدّة تَهكّمه به، فيكون الهدى الذي ينشده هو الحمى الذي يلجأ إليه؛ عساه يحميه من ضربات المصلحين، وأعضاء جمعيّة العلماء، ولو كان هذا على حساب الأصول والمبادئ التي كان يعتنقها، ويدافع عنها، قبل أن ينقلب عليها، بدليل قول الكاتب بعد ذلك: " ثمّ وقع بك الحظّ على هؤلاء القوم (أي الشّبوعيّين)، أو وقع بهم عليك وهم لم ينسوا ماضيك معهم، وإنّما يتناسونه لأمر ستنجلي عنه الغيابة، يوم ينكفئ القِدرُ بما فيه من صُبابة … "(2)

يستلهم الكاتب مشهدًا آخر من مشاهد القرآن، وهو نداء نوح ﴿: - عليه السلام - فدَعَا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (سورة القمر، الآية: 10)؛ ليتحدّث عن مصر، ويصوّر محنتها مع الاستعمار الإنكليزي، الذي تمادى في ظلمه، إلى حدٍّ لم تُطِقْ مصر توقيفه. فقد استنفذت تجاربها، واستفرغت جهودها، وخطّت خططًا للتّغلّب على

(1) - عن أسباب الخلاف بين الإبراهيمي والزّاهري، ينظر آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الثّالث، ص: 121. وكتاب فنون النّثر الأدبي في الجزائر، ص: 137.

(2) - عيون البصائر، ص: 636.

٦٥ / ٤٠٤