دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٧٠هذا الظّلم المستشري، ثمّ وكلت أمرها إلى الله: " … فرأت أنّ ساعة العمل خير من ألف شهر في الكلام، وأنّها تمارس خصمًا، إن استنجزته الوعد طاول، وإن تقاصرت أمامه تطاول، فخطت هذه الخطوة واثقةً مستبصرة، وتركت للأقدار ما وراءها، كما يفعل المظلوم المستيئس من إنصاف ظالمه، ومن نصر النّظارة، يركب الحدّ الخشن، ويعتمد على نفسه، وينادي ربّه: (إنّي مغلوبٌ فَانْتَصِرْ) "(1)
نوح - عليه السلام - انتهى جهده، ونفد صبره، ويئس من استجابة قومه لدعوته، فنادى ربّه، وطلب منه نصرته ونصرة أمره. قال له انتصر لحقّك. هذا المشهد استوحاه الكاتب ليصوّر به الحالة المزرية التي آلت إليها مصر؛ بسبب محنتها مع الاستعمار الإنكليزي.
في هذا الاستيحاء، وهذه الإشارية تلميح خفيّ وذكيّ للمصريّين أن يرجعوا إلى ربّهم، ويطلبوا النّصر منه، لا من غيره، فإنّ من ينصر الله ينصره. ندرك هذا المعنى حين نحضر أمامنا السّياق الذي وردت فيه الآية، وما حكاه القرآن بعد ذلك، بأنّ الاستجابة لدعاء نوح - عليه السلام - جاءت سريعة(2) قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الاَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الماءُ علَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر﴾ (سورة القمر، الآيتان: 11، 12). فالمعاني التي أوجدتها صورة الكاتب، والمشاعر التي فجّرتها، أشارت إليها الآيتان القرآنيتان.
هذه " الإشارية " تَمَّت بفضل حسن ربط الكاتب بينها، وبين ما جاء في القرآن. فنوح - عليه السلام - سلّم أمره إلى ربّه، بعد أن بذل جهده وقام بواجبه في الدّعوة. كذلك فعل المصريّون، لكنّ الكاتب يدفع بهم إلى أن يزيدوا في جهودهم وجهادهم
(1) - المصدر السّابق، ص: 548، 549. المقال بعنوان: " محنة مصر محنتنا "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 174، (05/ 11/1951).
(2) - ينظر سيّد قطب، في ظلال القرآن، مج6، ج27، ط1، دار الشّروق، القاهرة، بيروت، 1403هـ / 1983م، ص: 3430.