دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٧٣

وتخصّ حياتهم، فتمدّد في آماد النّقاش، وتطيل زمن النّظر فيها؛ نكاية بالمسلمين، وتعطيلاً لمصالحهم، وبحثًا عن ذريعة ووسيلة لعدم الاستجابة لِمطالبهم. هذه المرّة اتّخذت قرارات، لكن أيّة قرارات؟ قرارات شوهاء، بعيدة عن مصالح المسلمين، وما كانوا ينتظرونه. عبّر الكاتب عن هذه الخيبة وصوّرها بالتّصوير الإشاري؛ اعتمادًا على المقولة المشهورة: "تَمخَّض الجبل فولد فأرًا "، وعلى تعبير قرآني تضمّنته الآية الكريمة: ﴿وَوَصَّيْنَا الاِنَسانَ بِوَالَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا ووَضَعَتْهُ كَرْهًا … ﴾ (سورة الأحقاف، الآية: 15).

في هاتين الإشارتين تصوير ساخر بأعضاء المجلس الجزائري، الذين يعانون عسرًا كبيرًا في التّحرّك والقيام بدور ونشاط داخل المجلس. سواء في الانسجام مع ما يعرض فيه، أم في الخروج بأفكار يهضمها ويقتنع بها، أم بما يرضي جمهورهم الذي ينتظر منهم مناقشة قضاياهم، والوصول إلى نتائج تحقّق مصالحهم، وتضمن حقوقهم … وهو ما يجعل أعضاء هذا المجلس يطيلون النّظر في المسائل، ويُمدّدون الوقت ويبدّدونه في المناقشة، ثمّ لا يتمخّض كلّ ذلك إلاّ على تافه من الأفكار، وسافل من النّتائج.

قد يخفي الفنّان مصادر صُوَرِهِ، فلا بشير إليها، ويترك للمتلقّي اكتشافها بذكائه وقدرته على إدراك فنيّة هذه الصور التي بناها الأديب، وقد يهتدي إلى مصادرها. هذا الاكتشاف يعطي الصّورة الفنّية روعة وجمالية أكثر. قد لا يكون للصّورة المبتناة مصدر، إنّما يعتمد فيها الفنّان على اللّغة الموحية، وهي المعروفة بالصّورة الإيحائية، وهي درجة أسمى يصل إليها الأديب في تصويره.

الصّورة الإيحائية هي " التي تعتمد على اللّغة الموحية، التي ترسم ظلالا وامتدادات شعورية، لا نهاية لها؛ استجابة لتدفّق المشاعر. أو هي تلك الصّورة التي يصعب – أحيانا – على المتلقّي مسك أطراف أصولها التي استلهمها الأديب. ولا يمكن له الاهتداء إلى تلك الأصول، إلاّ إذا كان في حالة حضور ذهنيّ يقظ، وكان

٦٩ / ٤٠٤