دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٧٥

أن يفهم ويعي ما يرمي إليه الكاتب، من دون أن يفصح له عن ذلك .. وهو يحاول بهذه الصّورة أن ينفّس عن نفسه المجروحة، ويروّح عن فلبه المصدور المصدوم.

يعتمد الفنّان أحيانًا على تصويرٍ، يبنيه من الرّمز؛ لدواعٍ أو دوافع قد تكون سياسيّة أو اجتماعيّة أو نفسيّة، يُتيحُ له أن يعبّر عن شعوره، ويبلّغ فكرته إلى المتلقّي، ثمّ يفلت من الرّقيب، الذي لا يرحمه إذا ظفر على دليل يدينه على ما اقترف من خطأ بكتابته. وقد بكون الدّافع في اللّجوء إلى الرّمز هو إضفاء مسحة من المتعة والجمالية على النّصّ الأدبي. هذه المتعة يوجدها ما يحصل عليه المتلقّي من معان ومشاعر، بطريق غير مباشر. فالرّمز " يتيح لنا أن نتأمّل شيئًا آخر وراء النّصّ. فالرّمز قبل كلّ شيءٍ معنى خفيّ وإيحاء "(1)

من أنواع الرّمز الذي استخدمه محمد البشير الإبراهيمي الرّمز اللّغوي، الذي يتبلور في كلمة واحدة، وقد حاول من خلاله تصوير بعض المشاهد، ونقل بعض المشاعر، ونقد بعض الأوضاع.

كتب عن قضيّة فلسطين كثيرًا، ونفث مشاعره نحو مأساة العرب فيها، وركّز - بخاصّة – على ما يصمهم بالضّعة والهوان؛ بسبب تخاذلهم وتقاعسهم نحوها. هذه المرّة يعمد إلى الرّمز اللّغوي، ويختار (النّقطة) ليعبّر عن أساه وحسرته، ومن خلال هذه النّقطة، يذكّر ويصوّر الفارق بين حرص الغرب على سلب الحقوق، وتقاعس العرب في انتزاع تلك الحقوق؛ فضاعت العروبة، وتاهت الشّهامة، فهانت النّفوس، صوّر الكاتب ذلك بالتّركيز على (النّقطة). وجّه خطابه إلى العرب قائلاً: " جاءتكم النّذر تترى، والمعجزات شفعًا ووترًا، وقامت عليكم الحجّة من ثلاثين حِجّة، فتغافلتم أوّلاً،

(1) - الدّكتور مصطفى السّعدني، البنيات الأسلوبيّة في لغة الشّعر العربي الحديث، نشر منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر، 1987م، ص: 71.

٧١ / ٤٠٤