دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٧٦

وتخاذلتم أخيرًا، وضاعت العروبة بين التّغافل والتّخاذل. إنّ الفارق بين لفظَي العَرَبِ والغَرْبِ نُقطةٌ، وفيها كلّ السّرّ، وفيها كلّ الشّرّ "(1)

الرّمز كان في (النّقطة)، التي نكتت في القلب نقطة بالتّغافل، ثمّ تلتها نقطة بالتّخاذل، ثمّ تبعتها نقطة بالتّقاعس، أعقبتها نقط؛ حتّى رانَ على قلوب العرب ما كانوا يكسبون، فعميت بصائرهم، فطفقوا يتصرّفون تصرّفات غير مسؤولة، ويسلكون مسالك غير محمودة … من ذلك أنّهم أصبحوا يرون العزّة في غيرهم، والضّعة في أنفسهم … وضّح الكاتب مفعول هذه (النّقطة)، والفارق الذي أوجده بين القوّة والعجز، بين الإقدام والإحجام، بين المبادرة والمماطلة … : " وقف الغَرْبُ بالباب فلم تتحرّكوا، ثمّ أنشبَ الظّفر والنّاب، فلم تستدركوا، ثمّ دسّ أنفه في التّراب، فوجد رائحة الزّيت، ثمّ طلب الوقوف بالأعتاب، فوطّأتم له أكناف البيت. "(2)

افتقار العرب إلى (النّقطة)، هو الذي أفقدهم عزّتهم، ومنحهم الهوان، فساقهم إلى التّخاذل. صوّر الكاتب هذا بِهذا التّدرّج سخرية وتهكّمًا: لم تتحرّكوا، فلم تستدركوا، بل في النّهاية وطّأتم للغرب أكناف البيت.

كلّ هذه الظّلال النّفسيّة، وهذه الامتدادات الشّعورية، أوجدها هذا الرّمز (النّقطة). التي نقلت إلينا وصوّرت حالة الكاتب النّفسيّة، وهي كلّها حزن وأسى وتحسّر على حال العرب المخزية. زاد الصّورة وضوحًا وكشفًا المجاورة بين لفظتي (السّرّ والشّر). والفاعل في كلّ هذا هو النّقط. إنّها بيت القصيد.

تبقى (النّقطة) منغّصة حياة الكاتب، تستفزّه فيتحرّك شجنه، ويتجدّد حزنه، وذلك حين يتأمّل في معاملة المستعمر للمرأة الجزائريّة المسلمة، التي يريد لها الانحلال والتّفسّخ:

(1) - عيون البصائر، ص: 594. المقال بعنوان: " سجع الكهّان" (3)، وكان بإمضاء " كاهن الحيّ"، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 71 (14/ 03/1949م).

(2) - المصدر نفسه.

٧٢ / ٤٠٤