دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٧٩يعرف هذا النّوع من الاستعمال في البلاغة بِـ " التّلميح "، وهو أن يشير الشّاعر إلى قصّة معلومة، أو مثل سائر، أو بيت شعري مشهور، إشارة دالّة، دون أن يلجأ إلى التّفصيل في هذا الأثر الأدبي أو الفكري القديم."(1)
لِيقدّم البشير الإبراهيمي صورة عن مظاهر الذّلّ والهوان والجبن، التي يتّصف بها الصّهاينة في العصر الحديث، يستلهم مشهدًا قرآنيًا، يصّور الله فيه اليهود جبناء خائفين متخاذلين؛ فلا يلبّون نداء موسى - عليه السلام - بدخول الأرض المقدّسة التي كتب الله لهم. ارتدّوا على أدبارهم، فانقلبوا خاسرين، ولم يدخلوها؛ بحجّة أنّ فيها قومًا جبّارين، فقالوا لن ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون(2): " ما أشبه الصّهيونيّين بأوّلهم في الاحتياط للحياة، أولئك لم يقنعوا بوعد الله، فقالوا لموسى: إنّ فيها قومًا جبّارين، وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها، وهؤلاء لم يثقوا بوعد بلفور حتّى ضمنت لهم بريطانيا أن يكونوا في ظلّ حِرابها، وتحت حماية مدافعها وقوانينها … "(3)
من هذا الرّمز الموضوعي بنى الكاتب صورته ليسخر من الصّهاينة الذين يدّعون القوّة والبسالة فيسطون على الأرض المقدّسة فلسطين. يعيّرهم بأجدادهم وتاريخهم السّلبي لينال منهم، ويجرح كبرياءهم … إلاّ أنّ تهكّمه هذا هو تنفيس عن النّفس المكلومة، أكثر منه مساس بكبرياء اليهود. وما جاء في المقال كلّه يصبّ في هذا المصبّ.
(1) 2 - الدّكتور حامد حفني داود، تاريخ البديع نشأته وتطوّره ومعالمه الكبرى من القرن الثّاني إلى أواخر القرن الرّابع عشر الهحري (مخ)، ص: 106.
(2) - ينظر سورة المائدة، الآيتان: 21، 22.
(3) - عيون البصائر، ص: 485. المقال بعنوان: " فلسطين (1) تصوير الفاجعة "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 05 (05/ 09/1947م).