دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٨٠

إلاّ أنّ هذا الاستلهام، وتوظيف هذا الرّمز يبقى من النّاحية الفنّية رائعًا. وقد أصبح هذا المشهد القرآني رمزًا للهوان والذّلّ والصّغار والتّقاعس عن أداء الواجب. الكاتب نفسه وظّفه كثيرًا في كتاباته(1)

مشهد آخر له علاقة بحياة موسى - عليه السلام - هو غرق فرعون، الذي يقدّم دروسًا عبرًا، ويرمز إلى عاقبة الظّلم والتّجبّر والطّغيان. وإلى الاستسلام والاعتراف بالهزيمة والاندحار.

إلى المعنى الأخير يرمز محمد البشير الإبراهيمي، وهو يعرض موقف التّلاميذ الجزائريّين الزّيتونيّين، الذين أضربوا عن الدّراسة؛ بسبب تردّي أوضاعهم، وبخاصة فيما يتعلّق بتطوير تعليمهم، وتجديد مناهجهم، وإصلاح برامجهم؛ رغم مطالباتهم المتكّررة المسؤولين ليقوموا بهذا، لم يستجيبوا لهم، فكان آخر الدّواء الكيّ، فحصل الإضراب، الذي لم يأبه به المعنيّون في البداية؛ إذ بدا لهم سحابة صيف، ستنقشع قريبًا، وطيش شباب، سيزول وينتهي، لكنّ ذلك لم يحدث، واستمرّ الإضراب، فاستسلم له المسؤولون في الأخير واعترفوا بشرعيّته.

كتب الكاتب يصوّر هذا المشهد، مخاطبًا التّلاميذ بأسلوب الرّمز: " … وأريتمونا مثالاً للتّصميم، بعد ما قامت فينا نواعيه، ونموذجًا من التّحدّي، بعد ما فقدت منّا دواعيه، ورمزًا من التّحكّم في التّحكّم، بعد ما خابت من قبلكم سواعيه، وعنوانًا من الوفاء لزمنكم، قلّ راعيه، وغاب واعيه.

أضربتم فسخروا وقالوا: عادة ونوبة، ثمّ أصررتم فتماروا وقالوا: رُعونة من ورائها معونة، ثمّ تحدّيتم فصدّقوا، ولئن زدتم ليقولنّ: آمنّا أنّه لا إله إلاّ الذي خلق الزّيتونة شجرة مباركة، والزّيتونيّين رجالاً مباركين .. "(2)

(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 495. 2

(2) - المصدر السّابق، ص: 451، 452. المقال بعنوان: " إضراب التّلامذة الزّيتونيين "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 118 (01/ 05/1950م).

٧٦ / ٤٠٤