دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٨٦الأحداث، وعدم الاستسلام لضربات الزّمن والعدوّ، والتّقليل من قوّتهما وهيبتهما، اللّتين تبدوان وكأنّهما خارقتان، لا تقهران، أو كأنّهما شبح لا يمكن الاقتراب، ولا النّيل منه …
نسجّل - هنا – أنّ الشّيخ أبا اليقظان، حين كان يختار السّخرية – أحيانًا – في كتاباته، وفي معالجته بعض القضايا، إنّما كان – فقط – يغيّر وسيلة التّوجيه والتّوعية، وطريقة المقاومة، أي كان يتوخّى الإستراتيجيّة التي يراها ناجعة في البلوغ به إلى غاياته، والوصول إلى أهدافه، ولم يكن أبدًا يتخلّى عن مبادئه، أو يتحوّل عن وجهته، أو ينحرف عن خطّه المستقيم، الذي رسمه لنفسه. وهو الذي يمتدّ بين نقطتي ارتكاز، لا تحيدان أبدًا: هما نقطة المبادئ الثّابته، ونقطة الأهداف المرسومة سلفًا. فلم تتفرّق به السّبل قددًا أبدًا.
يستطيع الدّارس أن يقف على هذه الحقيقة، حين يقلّب سجّل حياته: ما قال وما كتب، وما أسمع وما أشار، وما أسرّ وما أعلن، وما نفّذ وأدار … سيجد أنّ مواقفه ومضامينه الفكرية لم تختلف، ولم تتناقض أبدًا في كلّ مراحل حياته، ولم تتغيّر في مختلف الظّروف التي مرّ بها، أو وُجد فيها.
نحاول في الصّفحات الآتية أن نُبينَ عن هذه السّخرية، وعن بعض مضامينها وفنّيتها بشكل مركّز مختصر؛ عسانا نفلح في الكشف عن جانب من شخصيّة أبي اليقظان، وعن أسلوب من أساليبه في المقاومة، والعمل النّهضوي، ومن ثمّ تقديم نموذج للأديب الملتزم، صاحب رسالة وواجب نحو مجتمعه والإنسانيّة جمعاء.
نشير في البداية إلى أنّنا في عرضنا هذا اتّبعنا طريقة، قد يكون فيها نوع من التّعسّف في عمليّة الدّراسة والتّحليل للأثر الأدبي. تتمثّل في هذا الفصل بين أجزاء العمل الفنّي، الذي وُجدَ – حين وُجد، أو أنشأه الأديب، حين نشأه – متّحدًا في جزأَيْه: الفكري والفنّي. غير أنّ الدّراسة التي تُعنى أو تهدف إلى إتاحة الفرصة للكشف عن عناصر القوّة أو الضّعف في المضمون والشّكل، بشيء من التّفصيل والتّعمّق، قد