دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٨٧تشفع لنا في هذه الممارسة. مع الإشارة إلى أنَّ رسالة أبي اليقظان كغيره من الأدباء الجزائريّين المصلحين، كانت موجّهة إلى الإصلاح والتّوجيه والتّغيير … معنى هذا أنّهم كانوا يُعنَوْنَ بالمضامين أكثر من اهتمامهم بالجانب الفنّي، وكان مفهومهم للأدب مرتبطًا بالوظيفة التي يقوم بها.
على هذا الأساس أو من هذا المنطلق تكون دراستنا لظاهرة السّخرية في أدب أبي اليقظان؛ حتّى ننصفه في تجربته الشّعرية، ونقدّم صورة عن السّخرية الهادفة في كتاباته، التي قد تكون لها قيمة مضمونية، أكثر منها فنّية.
من بين القضايا الاجتماعيّة التي عالجها أبو اليقظان في أدبه السّاخر قضيّة الجمود الفكري، الذي يحمّل أصحابه مسؤولية كلّ ما حدث، وكلّ ما عاناه المصلحون والمجدّدون في مسيرتهم الإصلاحيّة؛ بسبب تصرّفاتهم الخاطئة، ونظرتهم الضّيّقة إلى الحياة. فكلّ جديد عندهم هو بدعة، وكلّ ما ينزل إلى الميدان، ممّا لم يُنقل عن السّلف، ولم يُعرف عن الآباء هو منبوذ، وكلّ ما لم تنصَّ عليه النّصوص الشّرعيّة صراحة هو محرّم.
هذا التّفكير وهذا الجمود صوّرَا لأصحابهما أنّ الصّحافة بدعة وخرافة. وقد أوْصلاَ بعضهم إلى النّفور منها وشتمها ولعنها، والبصق عليها؛ نكاية بأصحابها. يقول أبو اليقظان: " ومن العجيب أنّنا نرى كثيرًا من النّاس تشمئزّ نفوسهم من الجرائد وما تصرّف منها، وينفرون من رؤيتها وسماعها نفور الشّقيّ من صحيفة أعماله، وقد يبلغ بهم الحال إلى حدّ شتمها وتمزيقها، والبصق عليها والاستبراء بها، ويخيّل لهم وهمهم في ذلك إنّما يفعلون كلّ ذلك بأصحابها المختفين وراء سطورها. تلك والله سخافة وحماقة لا دواء لها. "(1)
إنّ النّصّ يفصح عن تذمّر الكاتب من مضايقة خصوم الإصلاح للمصلحين، والشّماتة بهم، ويُبين عن علامات القلق من المقاومة أو المناهضة الكبيرة، التي تلافيها
(1) - جريدة وادي ميزاب، ع: 3، (15/ 10/1926م).