دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

واضحة المعالم لدى الفرد؛ حتى يكيّف سلوكه، ويحدّد نهجه في الحياة على أساس سليم. ينبري الشّيخ أبو اليقظان ليوضّح الأمور ويصحّح المفهومات، ويفصح عن الحقيقة.

لاحظ الكاتب أنّ من بين ما أثمره الأسلوب القمعي، الذي انتهجه الاستعمار في الجزائر، والسّياسة التي تبنّاها في توجيه الشّعب الجزائري وقيادته. من بين ما أفرزه هذا الوضع عدم وضوح الرّؤية في أذهان بعض الشّباب في كثير من القضايا الوطنيّة، بعدم تبيّن الأصيل من الدّخيل، وعدم وعي المصطلحات، وتمييز العمل الصالح من الطّالح، وما هو وطني وغير وطني، فكانت بعض الأعمال التي يُقدَم عليها باسم الوطنيّة هدما وتقويضا لأركان المجتمع.

في هذا الموضوع كتب الشّيخ أبو اليقظان يبيّن حقيقة الوطنيّة، بعد أن لاحظ أنّ النّاس يتغنّون بها، وهم خواء منها، يمجدّون الوطنيّة بأقوالهم، ويتحرّكون باسمها، ويعملون نقيض ما تدعو إليه، وإذا نُعتوا – بسبب ذلك - وقيل لهم لستم وطنيّين ثاروا وغضبوا واغتاظوا: " … يشيدون المراقص قيقولون لعمارة الوطن، يفتحون المقامر فيزعمون إنّها لإعلاء شأن الوطن، يعلنون على الخمور فينادون أن شجّعوا بضائع الوطن، يستجلبون أنواع الملاهي والمقاصف فيموّهون أنّ ذلك لتمدين الوطن، ينظّمون حفلات الرّقص والغناء، فيختلط الحابل بالنّابل، فيعلنون بلا خجل أنّ ما يتجمّع منها لفائدة المشروع الخيري الوطني، وليتها لم تزن ولم تتصدّق، كأنّما الوطن فندق متداعي الجدران، والوطنيّة فؤوس ومعاول تقتنى لهدمه واكتساحه"(1).

يسخر أبو اليقظان من هذه الأفكار السّخيفة، ومن هذه العقول السّقيمة، التي انقلبت عندها الموازين، واختلطت لديها المفاهيم، فأصبحت ترى في الفؤوس والمعاول التي تهدم، ترى فيها أدوات للبناء والتّشييد. فالكاتب بقدر ما يتهكّم بتصرّفات هؤلاء النّاس، يتحسّر كمدا على تركيبات هذا الصّنف من البشر

(1) - الوطنيّة الحقة، (د. إ) جريدة وادي ميزاب، ع: 52 (07/ 10/1927) المقال لأبي اليقظان.

٩٨ / ٤٠٤