دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

وتكوينهم، الذي أسهمت فيه الخطّة الاستعماريّة والعمل التّبشيري الصّليبي، الذي أشرنا إليه آنفا.

نبقى مع موضوع الاستعمار وحيفه وتنكيله بالوطنيّين، ونورد نموذجا من هذه الممارسات، يقترحه علينا الشّيخ أبو اليقظان. يقدّمه إلينا في شكل حكاية من حكايات التّسلية، أو ما تعمر به جلسات السّمر؛ مما يروّح عن النّفس، ويسلّي القلب، ويؤاسي الكئيب، ولو إلى حين، بما تشتمل عليه هذه الحكايات من مفاجآت وغرائب. إلاّ أنّ تقديم أبي اليقظان لها كان هادفا إلى الكشف عن جانب من ممارسات المستعمر التّعسفية. قدّم مثلا حيًّا ونموذجا صارخًا من معاملة المستعمر الأهالي والمشاريع المنجزة. فكتب عن زيارة الحكومة الفرنسيّة لتدشين المطبعة العربيّة التي أنشأها سنة 1931م.

بدأ قصّته كما يأتي: "وحيث أنّنا أتممنا نحن مشروع مطبعتنا العربيّة، ولم نقم بهذا الواجب (واجب التّدشين) رأت الحكومة من اللاّئق بعظمة المشروع أن تقوم بتدشينه هي، فأرسلت لجنة تتركّب من حضرة كوميسار البوليس وأعوانه، لينوبوها في ذلك"(1).

ثمّ سرد تفصيلات الزّيارة وعمليّة التّدشين متهكّما معرّضا بالمعاملة التي قدّمتها اللّجنة، والتي هي أَلْيَقُ بمقام المشروعات: "ففي السّاعة 7 و15 صباح السّبت 7 مارس، شرّفتنا اللّجنة بلباسها الرّسمي، حاملة إذن والي الولاية العامّة المحترم بتفتيش محلّ المطبعة، ففتّشوه – رعاهم الله- بكل دقّة ولطف، وتتبّعوا مكتبه ورفوفه وملفّات المعاملات، ودواليب الماكينات وصناديق الحروف، وغير ذلك. ثم ودّعونا بسلام، من غير أن يُبدوا لنا سببا لهذا، غير أنّنا فهمنا بعد كمال التّدقيز أن المراد من هذا التّفتيش إنّما هو مجرّد التّدشين، فشكرناهم على ذلك شكرا جزيلا، كما

(1) - "وادي ميزاب عند تدشين المطبعة العربيّة" (د. إ)، جريدة المغرب ع: 37) 19/ 03/1931).

٩٩ / ٤٠٤