زاد الخطيب حمود بن حميد بن حمد الصوافي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٣٢

زاد الخطيب - الجزء الثاني

232

واعلموا أن من غُررِ الأيام وأبرزها في تاريخ النضال بين المؤمنين والكافرين يوم الهجرة النبوية، اليوم الذي نصر الله سبحانه وتعالى فيه نبيه محمدا لله ونجاه من كيد الكافرين، ومكر الماكرين بعد أن تأمروا بالقضاء عليه وعلى دعوته؛ إما بحبسه أو قتله أو نفيه (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُفْتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال/30) واتفق رأيهم على أن يختاروا من كل قبيلة فتى شاباً جلداً، ويعطونه سيفاً صارماً، فإذا خرج رسول الله الله من داره ضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرّق دمه بين القبائل، فلا يستطيعُ بنو عبد مناف محاربة جميع قبائل قريش، بل يرضون بالدية، ولكنَّ الله من ورائهم محيط، ففي الليلة التي تجمع فيها شياطين الضلالِ أمامَ داره - عليه أفضلُ الصلاة والسلام ـــ ليقتلوه تنفيذاً لمؤامرتهم؛

من

نزل الوحي على النبي الله، فأخبره بذلك، فخرج من داره بين صفين شباب في، يحملون سيوفاً ساطعة، ورماحاً مشرعة، وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يس/9)، فنجاه الله من شرهم، وعصمه من كيدهم، وأرسل الفجر ضياءه، فإذا هدفهم قد أفلت من أيديهم، فهاج هائجهم، وطاشت ألبابهم، وانطلقوا كالمجانين، يجوبون الصحراء، ويستنطقون الرمال ومساربَ الجبال، وعند الغار تنتهي آثار المسير، فأحدقوا به من كل ناحية، وأبو بكر - رضي الله يسمعُ وقع أقدامهم، فيحزن حزناً شديداً، موقف عصيب ينخلع له قلب الشجاع، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يبقى ثابت الجنان، قوي الإيمان، يقول لصاحبه: «يا أبا بكر، ما ظُنُّك باثنين الله ثالثهما، لا

-