الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٨على الأبد، فلأمر ما، وهو أن قوماً عنده لم يجدهم النهي، ولم
،
يكفهم الزجر، ولم تنجح فيهم الموعظة، ولا الإنذار، ولا الأعذار ولا كانوا ممن: ﴿يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (1)، فلق الله لهم البحر، وأغرق فيه بقدرته الخصم، فـ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُم أَلِهَةٌ} (2)، واسمعهم كلامه بلا واسطة، فعظم مكرهم واشتد كفرهم، وكافحوا رسولهم بالكفر مواجهة بقولهم: ﴿لَن نؤمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهرَةً) (3)، وقد كانوا لشدة ما بهم من العتو والإستكبار، يقادون إلى الإيمان بسلاسل القهر والإجبار، وتلك سُنة الله فيهم، فقد أبوا عن قبول ما في التوراة من الشرائع والأحكام: وإذ نَتَقَنَا الجَبَلَ فَوقَهُم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعُ بِهِم﴾ (4) وناداهم منادي الحق: خُذُوا مَا أَتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} (ه)، ولم يأس مُوسى (الله) من قبولهم لقوله واستماعهم لنهيه، عن طلب الرؤية، سألها ليسمعهم الجواب عن الله، بما يلقمهم الحجر، ويبني سد اليأس بينهم وبين ما لا سبيل إليه لأحد من البشر، ولعظم هذه الجرأة منهم، وبشاعة هذه الطلبة، وقبح كفرهم بمسألة الرؤية: ﴿فَأَخَذَتِكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُم تَنظُرُونَ﴾ (6)، كما سلط القتل على عبدة العجل إذ هم جاهلون، فأي عبث في السؤال على هذا، وهذه صفة الحال، ولو قنعوا بالنهي واكتفوا بالزجر لما قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى
(1) سورة الزمر: 18
(3) سورة البقرة: 55 (4) سورة الأعراف: 171
(5) سورة البقرة: 63؛ سورة الأعراف: 171 (6) سورة البقرة: 55.
(2) سورة الأعراف: 138.
- 108 -