الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٠لَكَ
إليهم، ليعلموا عاقبة ظلمهم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامِ لِّلْعَبِيدِ» (1)، ولكن: إِنَّ بَطشَ رَبِّكَ﴾ (2)، على من تجرأ عليه لَشَدِيدٌ)؛ فقولك: يا هذا إن كان القوم مؤمنين، كفاهم قول موسى (العلم): أن الرؤية ممتنعة … إلخ، وإن كانوا كفاراً، لم يصدقوه في حُكم الله بالإمتناع، وأياما يكون السؤال عبثاً لا فائدة فيه؛ فقد قلنا: إنهم لم يكونوا في تلك الحالة مُؤمنين، وأي إيمان يصح لمن يقول لرسوله: ﴿لَن نُؤْمِنَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهرَةً﴾ (3)، أفيجوز أن يكون مؤمناً، غير مُؤمن في حالة واحدة؟ هذا باطل لا يقبله عقل عاقل، بل الحق أنهم كانوا من قبلها مؤمنين، ثم صاروا بتلك الكلمة الشنعاء زائغين عن الحق، مرتدين عن الإسلام، كفاراً مشركين، يشهد عليهم كتاب الله بذلك، شهادة لا مرية فيها عند العارفين، وليس هذا بدعاً في بني إسرائيل، فقد عبدوا العجل، قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهَا} (4)، كما قالوا له في هذه: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ}، وأنهم لم يصدقوه في قوله بحكم الإمتناع من الرؤية، لما غلب على قلوبهم من الضلال، ولشدة حرصه على إيمانهم، وقوة طمعه في إنقاذهم من الهلكة، كما هو دأب المرسلين وعادة الأنبياء، أراد أن يسمعهم من كلام الله في ذلك ما يرتفع به نزاعهم، وتنقطع معه أطماعهم، وأي فائدة أعظم من هذا، وأي عبث به، فإن كان الكافر لا يعتني به، والمعاند لا يعبأ به، فلأي شيء أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، ولأي معنى نتق الجبل عليهم، وَهُم القوم الذين نتق الجبل عليهم، لقبول الشرائع والأحكام، ودك الجبل
(1) سورة فصلت: 46.
(3) سورة البقرة: 55.
(2) سورة البروج: 12. (4) سورة الأعراف: 138