الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٣يطلق هذا القول، ولم يتأسف على موت سالم ـ مولى أبي حذيفة ـ كيف وقد أطلق قوله ذلك؟ قالوا، أي: المجوزون: نصب الإمام من غير قريش، وصح بذلك عن النبي أخبار كثيرة، منها ما قدمنا أول الباب، ومنها قوله: " اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع "، أي: ما أقام فيكم أحكام الله، ومُحال أن يأمر النبي بطاعة أهل الكبائر، كيف وقد قال: " من سود اسمه مع سُلطان جائر حشره ه معه يوم القيامة "، وقال له: " الْمُؤمنون يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم "، وحمل حديث الباب على طاعة من يوليه الإمام، خروج به عن مقتضى ظاهره، وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ أَكْرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم (1)، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى جعل علة الكرامة لديه هي التقوى، لا النسب، ولا المال، وقال سبحانه وتعالى قبل ذلك: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (1)، أي: لا لتتفاخروا، فإن الفخر الأكبر، والكرامة التي لا مزيد عليها، هي التقوى، وهي فعل الواجبات وترك المنهيات، ولهذا أمر سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (2)، فأين مقال هؤلاء من الكتاب والسنة، ولكن: ﴿عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهُوهُ وَفِي أَذَانِهِم وَقراً﴾ (3)؛ وإنما نقلنا كلامه برمته، لأنه أصدق شاهد على المرء لسانه، أي: نقلنا كلام المسعودي من تاريخه " مروج
(1) سورة الحجرات: 13 (2) سورة التوبة: 119.
(3) سورة الأنعام: 25؛ سورة الإسراء: 46؛ سورة الكهف: 57.
- 183 -