الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٨ضرورة؛ إلى أن قال: وقد أجمعت الأمة على أن الرضى صفة الراضي، والسخط صفة الساخط، وفي حديث عائشة أن رسول الله أنزل عليه واسجد واقترب} (1)، فسجد وتقرب إلى الله في سجوده، فكوشف بمشاهدة الخلق، فنظر وليس شيء أعظم من عقاب الله، ولا من عفوه، فقال: اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك، ثم سجد أُخرى، فتقرب أعظم من تقربه الأول، فكوشف بمشاهدة الصفات، فلم ير شيئاً أعظم من سخط الله ورضاه، فقال: وأعوذ برضاك من سخطك، ثم سجد ثالثة، فتقرب أعظم من الأوليين، فقصر عقله عن عظمة ذات الله، فحينئذ بهره الأمر، فقال: وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك
إلى أن قال: إن لله حكمة في كل شيء، وأنه جعل بعض أفعال العباد سبباً لتمام تلك الحكمة، وبلوغها غاية المراد، وجعل بعض أفعالهم مانعاً من تلك الحكمة، فكل فعل وافق مقتضى الحكمة، حتى انساقت الحكمة إلى غايتها فهو شكر، وكلما خالف ومنع الأسباب من أن تنساق إلى غاية المراد فهو كفر، ثم انقسم عباده الذين هم من خلقه واختراعه، إلى من سبقت له في المشيئة الأزلية أن يستعمله لإستيقاف حكمته دون غايتها، ويكون ذلك قهراً في حقهم، لتسليط الدواعي والبواعث عليهم، وإلى من سبقت لهم في الأزل أن يستعملهم لسياق حكمته إلى غايتها في بعض الأمور، فكان لكل واحد من الفريقين نسبة إلى المشيئة خاصة، فاستعير لسببية المستعملين في إتمام الحكمة
(1) سورة العلق: 19.
1441