كتاب الوضع
الجزء ١ · صفحة ٢٥كتاب
25
الوضع
زكَرِيَّاء يَحْيَى بْنُ الْخَيْرِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِيُّ، تَظْهَرُ عَلَيْهِ مَخَايِلُ النَّجَابَةِ، وَتَسْطَعُ عَلَى جَبينِهِ أَشِعَةُ الصَّلاحِ، وَتَدلُّ حَرَكَاتُهُ وَكَلِمَاتُهُ عَلَى الذَّكَاءِ والْعَبْقَرِيَّةِ مُنْذُ الصَّغَرِ، وَقَدْ رَبِّي تَحْتَ رِعَايَةِ جَدِّهِ أَبِي الْخَيْرِ، فَغَذَّى عَقْلَهُ بِالْمَعْرِفَةِ، وَمَلاً قَلْبَهُ بِالإِيمَانِ، وَعُودَ السَّيْرَ عَلَى هُدَى الإِسْلَامِ، فَبَلَغَ شُهْرَةٌ عِلْمِيَّةٌ لَمْ يَصِلُ إِلَيْهَا جَده … اهـ (1).
ويَقُولُ صَاحِبُ السِّيرِ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّمَاخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَمِنْهُمْ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ الْخَيْرِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِيُّ، تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِجَدِّهِ، وَأَنَّهُ أُخِذَتْ فِيهِ بَرَكَةُ الشَّيْخِ أَبِي الْخَيْرِ الزَّواغِيِّ، إِذْ دَعَا لَهُ وَسُمِّيَ بِاسْمِهِ وَكُنِّي بِكُنْيَتِهِ، وَبَقِيَ أَثَرُهَا فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَأَبُو زَكَرِيَّاء فِي زَمَنَنَا أَشْهُرُ مِنْ جَدِّهِ لِكَثْرَةِ تَالِيفِهِ، وَمِنْ غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَعُمْقٍ بَحْرِهِ أَنَّهُ يُفْتِي لِلنَّاسِ حِينَ رَجَعَ عَنْ أُسْتَاذِهِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي هَارُونَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؛ وَلَمْ يَتَوَفَّفْ وَلَوْ فِي مَسْأَلَةٍ مَعَ كَثْرَةِ السَّائِلِينَ فِي أَيِّ فَنْ مِنَ الْفُنُونِ سَأَلُوا".
يَقُولُ الشَّمَاخِيُّ وَجَازَتْ عَلَيْهِ نِسْبَةُ الدِّينِ، وَأَخَذَ عَنْهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وكَانَ اعْتِمَادُ أَهْلِ نُفُوسَةَ (2) عَلَى كُتُبِهِ حِفْظًا وَفُتْيَا، لِكَوْنِهِ أَوْدَعَ فِيهِ الْمَأْخُوذَ بِهِ
[342
(1) اينظر علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّةُ فِي مَوكِب التَّارِيخ – الحلقة 2: الإباضية في ليبيا، مراجعة: الحاج سليمان بابزير نشر مكتبة الضامري، ص (2) جَبَلُ نُفُوسَةً جَبَل عَظِيمٌ فِي الْجَانِبِ الْعَرْبِي مِنْ ليبيا، يَمْتَدُّ مِنْ بَلْدَةِ الْخَمْسِ شَرْقًا عَلَى الْبَحْرِ إِلَى بَلْدَةِ وَازْنَ غَرْبًا عَلَى حُدُودِ تُونُسَ فِي نَحْوِ مِائَتَيْ مِيلٍ؛ ثُمَّ يَمْتَدُّ فِي تُونُسَ، وَهُوَ مَقَرُ الإِبَاضِيَّةِ في ليبيا، وكَانُوا يَحُدُّونَهُ قَدِيمًا مِنْ لالوتَ إِلَى تغرمين؛ أَي مِنَ الْغَرْبِ إِلَى الشَّرْقِ