كتاب الوضع
الجزء ١ · صفحة ٣٠كتاب
الوضع
أَصْلِهِمْ، وَالَّذِي يَبْدُو لِلْبَاحِثِ الْمُدَقِّقِ أَنَّهُمْ مِنَ الْمَوْجَاتِ الْمُهَاجِرَةِ مِنَ الْيَمَنِ بَعْدَ سَيْلِ الْعَرِمِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا بَرَبَرًا؛ لأَنَّ قَائِدَ الْمُهَاجِرِينَ قَالَ لَهُمْ عِنْدَمَا هُمْ سَائِرُونَ لِلْبَحْثِ عَنِ الاسْتِقْرَارِ بِمكَانٍ يَخْتَارُونَهُ: بربر؛ يَعْنِي: خُذُوا طَرِيقَ الْبَرِّ. وَالْبَرَبَرُ هُمْ أَدْرَى بِتَارِيخِهِمْ، وَكُلُّ أُمَّةٍ أَدْرَى بِتَارِيخِهَا مِنْ سِوَاهَا، وَكُلُّ قَوْمٍ أعْلَمُ بِأَصُولِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ إِنَّهُمْ مِنَ الْحِمْيَرِيِّينَ كَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ ابْنُ خَلْدُونَ، وَهَذَا الَّذِي يَجِبُّ أَنْ يُعْتَبَرَ.
وَنُفُوسَةُ لَهُمْ فِي الإِسْلامِ تَارِيحٌ حَافِلٌ بِالْعَظَمَةِ الدِّينِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالْكَرَامَاتِ، حَتَّى كَانَتْ بِلادُهُمْ جَدِيرَةً بِأَنْ تُسَمَّى جِبَالَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَبْدَالِ. وَقَدِ اسْتُهِرَتْ بِلادُ نُفُوسَةَ بِكَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ وَالْأَخْيَارِ وَصَفْوَةِ الصَّالِحِينَ، أَيْنَمَا ذَهَبَ الْمُسْلِمُ شَاهَدَ تِلْكَ الْمَنَاقِبَ الَّتِي تُشْرِقُ كَالْأَنْوَارِ الْمُتَأَلِّقَةِ بَيْنَ مُزْنِ السَّمَاءِ، بَلْ لَهَا إِسْرَاقُ النُّجُومِ والأَعْمَارِ بِمَا لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَاقِلُ جُحُودَهُ، وَإِنَّمَا الْمُنْكِرُونَ لِلْكَرَامَاتِ هُمُ الْمَلَاحِدَةُ وَالْجَهَلَهُ بِمَقَامِ الأَوْلِيَاءِ.
إِنَّ الْكَرَامَةَ أَمْرُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ يَظْهَرُ لِلْمُتَّقِي الصَّالِحِ الْبَالِغِ دَرَجَةَ الْوَلَايَةِ، وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْعُلَمَاءِ بِدِينِهِمُ الْمَعْرُوفِينَ بِالإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الْمُعْرِضِينَ عَنِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا وَمَفَاتِنِهَا الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى
=
الله.
وَالْكَرَامَةُ لِلْوَلِيِّ كَالْمُعْجِزَةِ لِلنَّبِيِّ، وَكُلٌّ مِنَ الْمُعْجِزَةِ وَالْكَرَامَةِ أَمْرٌ حَارِقُ لِلْعَادَةِ لَا يَدْخُلُ فِي دَائِرَةِ التَّعْلِيلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَمْرُ آتٍ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا دَخلَ لِلْعَبْدِ فِيهِ، وَإِنْكَارُ مِثْلِ هَذَا الأَمْرِ عِمَايَةٌ عَنِ الْحَقِّ، وَتَدَخُلُ فِي