كتاب الوضع
الجزء ١ · صفحة ٣١كتاب
الوضع
قُدْرَةِ اللَّهِ الصَّالِحَةِ لِكُلِّ مُمْكِن وَالدَّلِيلُ عَلَى الْكَرَامَةِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: و ألا إن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا
(63)
وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ
لكامتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس: 62 - 64).
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْبُسَطَاءِ أَنَّ الْكَرَامَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ لَا يُصَدِّقُهَا، فَهَذَا لَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ لِبُعْدِهِ عَنْ هَذِهِ الْمَدَارِكِ الَّتِي تَسْعُرُ بِهَا النُّفُوسُ النَّقِيَّةُ مِنَ السَّوَائِب، وكَذَلِكَ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الْكَرَامَةَ لِلَّذِي يَبُولُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَغَوَّطُ؛ الْجَاهِلِ بِدِينِهِ فِقْهَا وَعَمَلاً فَمِثْلُ هَؤُلاَءِ فِي مَعْزَلٍ عَنِ الْعُقَلَاءِ، فَضَلَا عَنْ أَنْ
يكُونُوا مِنَ الصَّالِحِينَ الأَوْلِيَاء.
وَاشْتِهَارُ جَبَلِ نُفُوسَةَ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ ذَوِي الْكَرَامَاتِ؛ لَا كُفْرَانَ لَهُ إِلَّا
أنْ يَكُونَ الْمُنْكِرُ مِنَ الْعُشْيِ وَالْمَلَاحِدَةِ.
وَأَعُودُ إِلَى نُفُوسَةَ، قِيلَ: سُمُوا نُفُوسَةَ؛ لأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا بِأَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمُ الإِسْلامُ كَرْهًا فَعِنْدَمَا بَلَغَ الْفَتْحُ الإِسْلامِيُّ طَرَابلس، وَكَانَ أَمِيرُ الْجَيْشِ الإسلامي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدِمَ عَلَيْهِ سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الْبَرَبَرِ، مُحَلِّقِينَ الرُّؤُوسَ واللحى، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرُو: مَنْ أَنْتُمْ؟ وَمَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ؟ فَقَالُوا: رَغِبْنَا فِي الإِسْلامِ فَجِئْنَا لَهُ؛ لأَنَّ جُدُودَنَا قَدْ أَوْصَوْنَا بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ عَمْرُو: مَا لُكُمْ مُحلِّقِي الرُّؤُوسِ وَاللَّحَى؟ فَقَالُوا لَهُ: ذَلِكَ شَعْرٌ نَبَتَ فِي الْكُفْرِ، فَأَرَدْنَا أَنْ يَنبَتَ فِي الإِسلام.
فَوَجَهَهُمْ عَمْرُو إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ