كتاب الوضع: مختصر في الأصول والفقه يحيى الجناوني أبو زكرياء

كتاب الوضع

الجزء ١ · صفحة ٣٣

كتاب

الوضع

عُمَّال بني أُمَيَّةَ وَغَيْرُهُ أَسَاؤُوا السِّيرَةَ فِي الْبَرْبَرِ، يَأْخُذُونَ الْخُمُسَ مِنَ الْمَالِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْفَيْء وَهُمْ مُسْلِمُونَ، وَيَأْخُذُونَ الْأُدُمَ الْعَسَلِيَّةَ الْأَلْوَانِ وَأَنْوَاعَ طُرَفِ الْمَغْرِبِ، بَلْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ أَسْنَعَ مِنْ هَذَا، فَكَانُوا يَتَغَالُوْنَ فِي جَمْعِ ذَلِكَ وَانْتِخَابِهِ، حَتَّى كَانَتِ الصَّرْمَةُ مِنَ الْغَنَمِ - وَالصَّرْمَةُ مَا بَيْنَ عَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ - تُهْلَك ذَبْحًا لاتِّخَاذِ الْجُلُودِ الْعَسَلِيَّةِ مِنْ سَخَالِهَا، وَلَا يُوجَدُ فِيهَا مَعَ ذَلِكَ إِلَّا الْوَاحِدُ

ثَوْرَةٌ

فَكَثْرَ عَيْتُهُمْ بِذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الْبَرْبَرِ، فَأَحَسَّ الْبَرْبَرُ أَنَّهُمْ طُعْمَةٌ لِلنَّهْب، وَرَأَوْا أَنَّ أَمْثَالَ تِلْكَ الأَعْمَالِ تَتَنَافَى مَعَ الإِسْلامِ، فَأَجْمَعُوا الانْتِفَاضَ، فَتَارُوا عُنْصُرِيَّةٌ بَعْدَ أَنْ بَذَلُوا جُهُودًا فِي صَرْفِ الْعُمَّالِ عَنِ الظُّلْمِ، بَلْ وَجَهُوا وَفْدًا إِلَى الْخَلِيفَةِ بِالشَّامِ، فَبَقِيَ مُدَّةً يَنْتَظِرُ الإِذْنَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَلِيفَةِ لِيُبَلِّغُوا إِلَيْهِ شَكْوَاهُمْ، فَلَمْ يُؤذَنَ لَهُمْ، هُنَالِكَ وَفَدَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ وَقَدْ عَلَى رَأْسِهِ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدِ الْبَصْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ

هُوَ

التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَأَفْهَمَهُمْ أَنَّ مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الظُّلْمِ مِنْ حَيْفِ الْوُلاَةِ، لا دَخلَ فِيهِ لِلْعَرَبِ وَلَا لِلإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لَا عَصَيَّةَ فِيهِ، وَبَيَّنَ لَهُمُ الْهِدَايَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ الْكَامِلَةَ، فَأَخَذُوا بِهَا وَسَكَنُوا لَهَا، وَتَبَيَّنَ لَهُمُ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَانْتَشَرَتْ تِلْكَ الْهِدَايَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْبَرْبَرِ إِلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ، فَتَمَكَّنَ مِنْهُمُ الإِسْلاَمُ الْكَامِلُ، مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ.

فَلَمَّا آنَسُوا مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْقُوَّةَ وَالْمَنَعَةَ؛ بَايَعُوا إِمَامًا يَسُوسُهُمْ بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطَاسِ، وَانْتَخَبُوا الإِمَامَ الْحَارِثَ الْكِنْدِيَّ، وَاخْتَارُوا صَاحِبَهُ عَبْدَ الْجَبَّارِ الْكِنْدِي قاضيًا لَهُ، فَقَامَ الإِمَامُ الْحَارِثُ بِالأمْرِ، وَسَاسَ الْبِلادَ خَيْرَ سِيَاسَةِ،