كتاب الوضع: مختصر في الأصول والفقه يحيى الجناوني أبو زكرياء

كتاب الوضع

الجزء ١ · صفحة ٣٤

كتاب

34

الوضع

وَكَانَ لَهُمَا شَانٌ عَظِيمٌ فِي صِيَانَةِ الْبِلادِ مِنَ الْعَبَثِ وَالإِحْلالِ بِالأَمْنِ وَإِقَامَةِ

العدل.

وَإِذْ كَانَ أَصْحَابُنَا أَهْلَ ثَبَاتٍ عَلَى مَنْهَجِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي التَّسَامُحِ وَالْعِنَايَةِ بِالْعَدْلِ وَالْعِلْمِ، وَالتَّحَلِّي بِالْخُلُقِ الْكَرِيمِ، يَفْتَحُونَ صُدُورَهُمْ لِكُلِّ مَنْ تَقَدَّمَ لِطَلَبِ الْحَقِّ، رَأَى الْحَاقِدُونَ أَنْ يَخْتَلِسُوا مِنْهُمَا غُرَّةٌ لِهَدْمِ الإِمَامَةِ، فَاعْتَالُوهُمَا، فَوَجَدَ النَّاسُ سَيْفَ أَحَدِهِمَا فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ، وَذَلِكَ مِنَ الْفَاعِلِينَ تَعْمِيَةٌ وَإِيهَامُ أَن كُلاً مِنْهُمَا قَتَلَ الآخَرَ، فَيَحْصُلُ الْخِلافُ بَيْنَ النَّاسِ، فَتَتَفَكَّكُ تِلْكَ الْوَحْدَةُ الْمَتِينَةُ الَّتِي جَعَلَتْ نُفُوسَةَ وَمَا حَوْلَهَا كُتْلَةٌ وَاحِدَةً لَا تَنْفَصِمُ عُرَاهَا، فَكَادَتِ الطَّامَّةُ تَقَعُ لَوْلا أَنَّ وَفَدًا تَوَجَّهَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ لِطَلَبِ حَلٌّ لِهَذِهِ الْمُشْكِلَةِ، فَأَفْتَى بِأَنْ يُتْرَكُوا عَلَى الْوَلايَةِ الأَصْلِيَّةِ؛ لأنَّ الأَصْلَ فِيهِم الْوَلايَةُ، وَالْقَضِيَّةُ فِي الْأَصْلِ قُصِدَ بِهَا إِيجَادُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ تِلْكَ الْقُوَّةِ الْعَتِيدَةِ الَّتِي لَمْ يَفْتَ فِي عَضُدِهَا الْجُيُوسُ الْجَرَّارَةُ، فَكَانَ أَوَّلَ إِمَامٍ بُويعَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِالْمَغْرِبِ هَذَا الإِمَامُ.

وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْبَدْرُ السَّمَاخِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ مِائَةٍ وَوَاحِدٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وَالَّذِي يَبْدُو لِي أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْعَهْدِ تَوَالَتِ الإِمَامَةُ بِالْمَغْرِبِ، ذَلِكَ النِّظَامُ الإِسْلامِيُّ الَّذِي الْفَرَدَ بِهِ أَصْحَابُنَا دُونَ سِوَاهُمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا بِالْمَشْرِقِ عُمَانَ- مُنْذُ الْقَرْنِ الثَّانِي.

و نُفُوسَةٌ كَانَتْ فِي عَهْدِ الإِمَامَةِ قُوَّةً وَسَنَدَا لَهَا، وَلَمْ تَكُنِ الإِمَامَةُ فِي

(1) يُنظَرُ سِيرُ الشماخي ص 125 (طبعة هجرية)].